Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 29:67-68
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ الأُمُورَ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ ولَمْ يُؤْمِن بِهِ أحَدٌ بَيَّنَ أنَّهم أظْلَمُ مَن يَكُونُ؛ لِأنَّ الظُّلْمَ عَلى ما بَيَّنَ وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، فَإذا وضَعَ واحِدٌ شَيْئًا في مَوْضِعٍ لَيْسَ هو مَوْضِعَهُ يَكُونُ ظالِمًا، فَإذا وضَعَهُ في مَوْضِعٍ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَوْضِعَهُ يَكُونُ أظْلَمُ؛ لِأنَّ عَدَمَ الإمْكانِ أقْوى مِن عَدَمِ الحُصُولِ؛ لِأنَّ كُلَّ ما لا يُمْكِنُ لا يَحْصُلُ، ولَيْسَ كُلُّ ما لا يَحْصُلُ لا يُمْكِنُ، فاللَّهُ تَعالى لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ وجَعَلُوا لَهُ شَرِيكًا فَلَوْ كانَ ذَلِكَ في حَقِّ مَلِكٍ مُسْتَقِلٍّ في المُلْكِ لَكانَ ظُلْمًا يَسْتَحِقُّ مِنَ المَلِكِ العِقابَ الألِيمَ، فَكَيْفَ إذا جُعِلَ الشَّرِيكُ لِمَن لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ، وأيْضًا مَن كَذَّبَ صادِقًا يَجُوزُ عَلَيْهِ الكَذِبُ يَكُونُ ظُلْمًا فَمَن يُكَذِّبُ صادِقًا لا يَجُوزُ عَلَيْهِ الكَذِبُ كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ ؟ فَإذًا لَيْسَ أظْلَمُ مِمَّنْ يَكْذِبُ عَلى اللَّهِ بِالشِّرْكِ ويُكَذِّبُ اللَّهَ في تَصْدِيقِ نَبِيِّهِ والنَّبِيَّ في رِسالَةِ رَبِّهِ والقُرْآنَ المُنَزَّلَ مِنَ اللَّهِ إلى الرَّسُولِ، والعَجَبُ مِنَ المُشْرِكِينَ أنَّهم قَبِلُوا المُتَّخَذَ مِن خَشَبٍ مَنحُوتٍ بِالإلَهِيَّةِ، ولَمْ يَقْبَلُوا ذا حَسَبٍ مَنعُوتًا بِالرِّسالَةِ، والآيَةُ تَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ التَّوْحِيدَ والرِّسالَةَ والحَشْرَ وقَرَّرَهُ ووَعَظَ وزَجَرَ قالَ لِنَبِيِّهِ لِيَقُولَ لِلنّاسِ: