Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 29:55
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ ذُكِرَ هَذا لِلتَّعَجُّبِ، وهَذا لِأنَّ مَن تُوُعِّدَ بِأمْرٍ فِيهِ ضَرَرٌ يَسِيرُ كَلَطْمَةٍ أوْ لَكْمَةٍ، فَيَرى مِن نَفْسِهِ الجَلَدَ، ويَقُولُ بِاسْمِ اللَّهِ هاتِ، وأمّا مَن تُوُعِّدَ بِإغْراقٍ أوْ إحْراقٍ ويَقْطَعُ بِأنَّ المُتَوَعِّدَ قادِرٌ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، لا يَخْطُرُ بِبالِ العاقِلِ أنْ يَقُولَ لَهُ هاتِ ما تَتَوَعَّدُنِي بِهِ، فَقالَ هَهُنا ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ والعَذابُ بِنارِ جَهَنَّمَ المُحِيطَةِ بِهِمْ، فَقَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ أوَّلًا إخْبارٌ عَنْهم، وثانِيًا تَعَجُّبٌ مِنهم، ثُمَّ ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ إحاطَةِ جَهَنَّمَ، فَقالَ تَعالى:
﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ويَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: لِمَ خَصَّ الجانِبَيْنِ بِالذِّكْرِ ولَمْ يَذْكُرِ اليَمِينَ والشِّمالَ وخَلْفَ وقُدّامَ ؟ فَنَقُولُ: لِأنَّ المَقْصُودَ ذِكْرُ ما تَتَمَيَّزُ بِهِ نارُ جَهَنَّمَ عَنْ نارِ الدُّنْيا ونارُ الدُّنْيا تُحِيطُ بِالجَوانِبِ الأرْبَعِ، فَإنَّ مَن دَخَلَها تَكُونُ الشُّعْلَةُ خَلْفَهُ وقُدّامَهُ ويَمِينَهُ ويَسارَهُ، وأمّا النّارُ مِن فَوْقُ فَلا تَنْزِلُ وإنَّما تَصْعَدُ مِن أسْفَلَ في العادَةِ العاجِلَةِ، وتَحْتَ الأقْدامِ لا تَبْقى الشُّعْلَةُ الَّتِي تَحْتَ القَدَمِ، ونارُ جَهَنَّمَ تَنْزِلُ مِن فَوْقُ ولا تَنْطَفِئُ بِالدَّوْسِ مَوْضِعِ القَدَمِ.
صفحة ٧٣