Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 29:46-47
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِن هَؤُلاءِ﴾ غَيْرَ المَذْكُورِينَ، وعَلى ما ذَكَرْنا يَكُونُ مَخْرَجُ الكَلامِ كَأنَّهُ قَسَّمَ القَوْمَ قِسْمَيْنِ أحَدُهُما المُشْرِكِينَ، وتَكَلَّمَ فِيهِمْ وفَرَغَ مِنهم، والثّانِي أهْلَ الكِتابِ وهو بُعْدٌ في بَيانِ أمْرِهِمْ، والوَقْتُ وقْتُ جَرَيانِ ذِكْرِهِمْ، فَإذا قالَ هَؤُلاءِ يَكُونُ مُنْصَرِفًا إلى أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ هم في وصْفِهِمْ، وإذا قالَ أُولَئِكَ يَكُونُ مُنْصَرِفًا إلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ سَبَقَ ذِكْرُهم وتَحَقَّقَ أمْرُهم، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ الجِدالُ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الخِلافَ في الأنْبِياءِ والأئِمَّةِ قَرِيبٌ مِنَ الخِلافِ في فَضِيلَةِ الرُّؤَساءِ والمُلُوكِ، فَإذا اخْتَلَفَ حِزْبانِ في فَضِيلَةِ مَلِكَيْنِ أوْ رَئِيسَيْنِ، وأدّى الِاخْتِلافُ إلى الِاقْتِتالِ يَكُونُ أقْوى كَلامٍ يَصْلُحُ بَيْنَهم أنْ يُقالَ لَهم هَذانِ المَلِكانِ مُتَوافِقانِ مُتَصادِقانِ، فَلا مَعْنى لِنِزاعِكم، فَكَذَلِكَ هَهُنا قالَ النَّبِيُّ ﷺ: نَحْنُ آمَنّا بِالأنْبِياءِ وهم آمَنُوا بِي فَلا مَعْنى لِتَعَصُّبِكم لَهم، وكَذَلِكَ أكابِرُكم وعُلَماؤُكم آمَنُوا، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا الكافِرُونَ﴾ تَنْفِيرًا لَهم عَمّا هم عَلَيْهِ، يَعْنِي أنَّكم آمَنتُمْ بِكُلِّ شَيْءٍ، وامْتَزْتُمْ عَنِ المُشْرِكِينَ بِكُلِّ فَضِيلَةٍ، إلّا هَذِهِ المَسْألَةَ الواحِدَةَ، وبِإنْكارِها تَلْتَحِقُونَ بِهِمْ وتُبْطِلُونَ مَزاياكم، فَإنَّ الجاحِدَ بِآيَةٍ يَكُونُ كافِرًا.