Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 29:45
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الرّابِعُ: وهو مُوافِقٌ لِما ورَدَتْ بِهِ الأخْبارُ وهو أنَّ مَن يَكُونُ بَعِيدًا عَنِ المَلِكِ كالسُّوقِيِّ والمُنادِي والمُتَعَيِّشِ لا يُبالِي بِما فَعَلَ مِنَ الأفْعالِ يَأْكُلُ في دُكّانِ الهَرّاسِ والرَّوّاسِ ويَجْلِسُ مَعَ أحْباشِ النّاسِ، فَإذا صارَتْ لَهُ قُرْبَةٌ يَسِيرَةٌ مِنَ المَلِكِ كَما إذا صارَ واحِدًا مِنَ الجُنْدارِيَّةِ والقُوّادِ والسُّوّاسِ عِنْدَ المَلِكِ لا تَمْنَعُهُ تِلْكَ القُرْبَةُ مِن تَعاطِي ما كانَ يَفْعَلُهُ، فَإذا زادَتْ قُرْبَتُهُ وارْتَفَعَتْ مَنزِلَتُهُ حَتّى صارَ أمِيرًا حِينَئِذٍ تَمْنَعُهُ هَذِهِ المَنزِلَةُ عَنِ الأكْلِ في ذَلِكَ المَكانِ والجُلُوسِ مَعَ أُولَئِكَ الخُلّانِ، كَذَلِكَ العَبْدُ إذا صَلّى وسَجَدَ صارَ لَهُ قُرْبَةٌ ما لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] فَإذا كانَ ذَلِكَ القَدْرُ مِنَ القُرْبَةِ يَمْنَعُهُ مِنَ المَعاصِي والمَناهِي، فَبِتَكَرُّرِ الصَّلاةِ والسُّجُودِ تَزْدادُ مَكانَتُهُ، حَتّى يَرى عَلى نَفْسِهِ مِن آثارِ الكَرامَةِ ما يَسْتَقْذِرُ مَعَهُ مِن نَفْسِهِ الصَّغائِرَ فَضْلًا عَنِ الكَبائِرِ، وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ مَعْقُولٌ يُؤَكِّدُهُ المَنقُولُ وهو أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ هو أنَّها تَنْهى عَنِ التَّعْطِيلِ والإشْراكِ، والتَّعْطِيلُ هو إنْكارُ وُجُودِ اللَّهِ، والإشْراكُ إثْباتُ أُلُوهِيَّةٍ لِغَيْرِ اللَّهِ.