Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 29:19
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الأُولى: الإنْسانُ مَتى رَأى بَدْءَ الخَلْقِ حَتّى يُقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ﴾ ؟ فَنَقُولُ المُرادُ: العِلْمُ الواضِحُ الَّذِي كالرُّؤْيَةِ والعاقِلُ يَعْلَمُ أنَّ البَدْءَ مِنَ اللَّهِ لِأنَّ الخَلْقَ الأوَّلَ لا يَكُونُ مِن مَخْلُوقٍ وإلّا لَمّا كانَ الخَلْقُ الأوَّلُ خَلْقًا أوَّلَ فَهو مِنَ اللَّهِ، هَذا إنْ قُلْنا: أنَّ المُرادَ إثْباتُ نَفْسِ الخَلْقِ، وإنْ قُلْنا إنَّ المُرادَ بِالبَدْءِ خَلْقُ الآدَمِيِّ أوَّلًا، وبِالإعادَةِ خَلْقُهُ ثانِيًا، فَنَقُولُ: العاقِلُ لا يَخْفى عَلَيْهِ أنَّ خالِقَ نَفْسِهِ لَيْسَ إلّا قادِرٌ حَكِيمٌ يُصَوِّرُ الأوْلادَ في الأرْحامِ، ويَخْلُقُهُ مِن نُطْفَةٍ في غايَةِ الإتْقانِ والإحْكامِ، فَذَلِكَ الَّذِي خُلِقَ أوَّلًا مَعْلُومٌ ظاهِرٌ فَأُطْلِقَ عَلى ذَلِكَ العِلْمِ لَفْظُ الرُّؤْيَةِ، وقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ أيْ ألَمْ يَعْلَمُوا عِلْمًا ظاهِرًا واضِحًا ﴿كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ﴾ يَخْلُقُهُ مِن تُرابٍ يَجْمَعُهُ فَكَذَلِكَ يَجْمَعُ أجْزاءَهُ مِنَ التُّرابِ يَنْفُخُ فِيهِ رُوحَهُ، بَلْ هو أسْهَلُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْكم، فَإنَّ مَن نَحَتَ حِجاراتٍ ووَضَعَ شَيْئًا بِجَنْبِ شَيْءٍ فَفَرَّقَهُ أمْرٌ ما فَإنَّهُ يَقُولُ: وضْعُهُ شَيْئًا بِجَنْبِ شَيْءٍ في هَذِهِ النَّوْبَةِ أسْهَلُ عَلَيَّ لِأنَّ الحِجاراتِ مَنحُوتَةٌ، ومَعْلُومٌ أنَّ آيَةً واحِدَةً مِنها تَصْلُحُ لِأنْ تَكُونَ بِجَنْبِ الأُخْرى، وعَلى هَذا المَخْرَجِ خَرَجَ كَلامُ اللَّهِ في قَوْلِهِ ﴿وهُوَ أهْوَنُ﴾ (الرُّومِ: ٢٧ ) وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ .