Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 29:10-11
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ: ﴿ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ﴾ ولَمْ يَقُلْ مِنَ اللَّهِ، مَعَ أنَّ ما تَقَدَّمَ كانَ كُلُّهُ بِذِكْرِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ: ﴿أُوذِيَ في اللَّهِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿كَعَذابِ اللَّهِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الرَّبَّ اسْمٌ مَدْلُولُهُ الخاصُّ بِهِ الشَّفَقَةُ والرَّحْمَةُ، واللَّهُ اسْمٌ مَدْلُولُهُ الهَيْبَةُ والعَظَمَةُ، فَعِنْدَ النَّصْرِ ذَكَرَ اللَّفْظَ الدّالَّ عَلى الرَّحْمَةِ والعاطِفَةِ، وعِنْدَ العَذابِ ذَكَرَ اللَّفْظَ الدّالَّ عَلى العَظَمَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَمْ يَقُلْ ولَئِنْ جاءَكم أوْ جاءَكَ بَلْ قالَ: ﴿ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ﴾ والنَّصْرُ لَوْ جاءَهم ما كانُوا يَقُولُونَ: ﴿إنّا كُنّا مَعَكُمْ﴾ وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونُوا قائِلِينَ: إنّا مَعَكم إذا جاءَ نَصْرٌ سَواءٌ جاءَهم أوْ جاءَ المُؤْمِنِينَ، فَنَقُولُ هَذا الكَلامَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونُوا قائِلِينَ إنّا مَعَكم إذا جاءَ النَّصْرُ، لَكِنَّ النَّصْرَ لا يَجِيءُ إلّا لِلْمُؤْمِنِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ (الرُّومِ: ٤٧ ) ولِأنَّ غَلَبَةَ الكافِرِ عَلى المُسْلِمِ لَيْسَ بِنَصْرٍ؛ لِأنَّ النَّصْرَ ما يَكُونُ عاقِبَتُهُ سَلِيمَةً، بِدَلِيلِ أنَّ أحَدَ الجَيْشَيْنِ إنِ انْهَزَمَ في الحالِ ثُمَّ كَرَّ المُنْهَزِمُ كَرَّةً أُخْرى وهَزَمُوا الغالِبِينَ، لا يُطْلَقُ اسْمُ المَنصُورِ إلّا عَلى مَن كانَ لَهُ العاقِبَةُ، فَكَذَلِكَ المُسْلِمُ وإنْ كُسِرَ في
صفحة ٣٦
الحالِ فالعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، فالنَّصْرُ لَهم في الحَقِيقَةِ.