Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 29:10-11
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ صارِفَةً عَنِ الإيمانِ كَما أنَّ عَذابَ اللَّهِ صارِفٌ عَنِ الكُفْرِ، وقِيلَ جَزِعُوا مِن عَذابِ النّاسِ كَما جَزِعُوا مِن عَذابِ اللَّهِ، وبِالجُمْلَةِ مَعْناهُ أنَّهم جَعَلُوا فِتْنَةَ النّاسِ مَعَ ضَعْفِها وانْقِطاعِها كَعَذابِ اللَّهِ الألِيمِ الدّائِمِ، حَتّى تَرَدَّدُوا في الأمْرِ، وقالُوا: إنْ آمَنّا نَتَعَرَّضُ لِلتَّأذِّي مِنَ النّاسِ، وإنْ تَرَكْنا الإيمانَ نَتَعَرَّضُ لِما تَوَعَّدَنا بِهِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، واخْتارُوا الِاحْتِرازَ عَنِ التَّأذِّي العاجِلِ، ولا يَكُونُ التَّرَدُّدُ إلّا عِنْدَ التَّساوِي، ومِن أيْنَ إلى أيْنَ تَعْذِيبُ النّاسِ لا يَكُونُ شَدِيدًا ولا يَكُونُ مَدِيدًا؛ لِأنَّ العَذابَ إنْ كانَ شَدِيدًا كَعَذابِ النّارِ وغَيْرِهِ يَمُوتُ الإنْسانُ في الحالِ فَلا يَدُومُ التَّعْذِيبُ، وإنْ كانَ مَدِيدًا كالحَبْسِ والحَصْرِ لا يَكُونُ شَدِيدًا، وعَذابُ اللَّهِ شَدِيدٌ وزَمانُهُ مَدِيدٌ، وأيْضًا عَذابُ النّاسِ لَهُ دافِعٌ وعَذابُ اللَّهِ ما لَهُ مِن دافِعٍ، وأيْضًا عَذابُ النّاسِ عَلَيْهِ ثَوابٌ عَظِيمٌ، وعَذابُ اللَّهِ بَعْدَهُ عَذابٌ ألِيمٌ، والمَشَقَّةُ إذا كانَتْ مُسْتَعْقِبَةً لِلرّاحَةِ العَظِيمَةِ تَطِيبُ ولا تُعَدُّ عَذابًا كَما تُقْطَعُ السِّلْعَةُ المُؤْذِيَةُ ولا تُعَدُّ عَذابًا.