Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 29:7
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: العَمَلُ الصّالِحُ مَرْفُوعٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (فاطِرٍ: ١٠ ) لَكِنَّهُ لا يَرْتَفِعُ إلّا بِالكَلِمِ الطَّيِّبِ فَإنَّهُ يَصْعَدُ بِنَفْسِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ (فاطِرٍ: ١٠ ) وهو يَرْفَعُ العَمَلَ، فالعَمَلُ مِن غَيْرِ المُؤْمِنِ لا يُقْبَلُ، ولِهَذا قَدَّمَ الإيمانَ عَلى العَمَلِ، وهَهُنا لَطِيفَةٌ، وهي أنَّ أعْمالَ المُكَلَّفِ ثَلاثَةٌ: عَمَلُ قَلْبِهِ وهو فِكْرُهُ واعْتِقادُهُ وتَصْدِيقُهُ، وعَمَلُ لِسانِهِ وهو ذِكْرُهُ وشَهادَتُهُ، وعَمَلُ جَوارِحِهِ وهو طاعَتُهُ وعِبادَتُهُ.
فالعِبادَةُ البَدَنِيَّةُ لا تَرْتَفِعُ بِنَفْسِها وإنَّما تَرْتَفِعُ بِغَيْرِها، والقَوْلُ الصّادِقُ يَرْتَفِعُ بِنَفْسِهِ كَما بَيَّنَ في الآيَةِ، وعَمَلُ القَلْبِ وهو الفِكْرُ يَنْزِلُ إلَيْهِ كَما قالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: ”«إنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إلى السَّماءِ الدُّنْيا ويَقُولُ هَلْ مِن تائِبٍ» “ والتّائِبُ النّادِمُ بِقَلْبِهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنا عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهم» “ يَعْنِي بِالفِكْرَةِ في عَجْزِهِ وقُدْرَتِي، وحَقارَتِهِ وعَظَمَتِي، ومِن حَيْثُ العَقْلُ مَن تَفَكَّرَ في آلاءِ اللَّهِ وجَدَ اللَّهَ، وحَضَرَ ذِهْنُهُ فَعَلِمَ أنَّ لِعَمَلِ القَلْبِ يَأْتِي اللَّهَ، وعَمَلُ اللِّسانِ يَذْهَبُ إلى اللَّهِ وعَمَلُ الأعْضاءِ يُوَصِّلُ إلى اللَّهِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى فَضْلِ عَمَلِ القَلْبِ.