Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 28:76-78
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ورابِعُها: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ أيِ اللَّهُ أعْطانِي ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ عالِمًا بِي وبِأحْوالِي فَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَصْلَحَةً لَما فَعَلَ، وقَوْلُهُ: ﴿عِنْدِي﴾ أيْ عِنْدِي أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، كَما يَقُولُ المُفْتِي عِنْدِي أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، أيْ: مَذْهَبِي واعْتِقادِي ذَلِكَ، ثُمَّ أجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ كَلامِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا إثْباتًا لِعِلْمِهِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أهْلَكَ قَبْلَهُ مِنَ القُرُونِ مَن هو أقْوى مِنهُ وأغْنى؛ لِأنَّهُ قَدْ قَرَأهُ في التَّوْراةِ وأخْبَرَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وسَمِعَهُ مِن حُفّاظِ التَّوارِيخِ كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: أوَلَمْ يَعْلَمْ في جُمْلَةِ ما عِنْدَهُ مِنَ العِلْمِ هَذا حَتّى لا يَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ مالِهِ وقُوَّتِهِ.
الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَفْيًا لِعِلْمِهِ بِذَلِكَ كَأنَّهُ لَمّا قالَ أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي فَتَصَلَّفَ بِالعِلْمِ وتَعَظَّمَ بِهِ، قِيلَ: أعِنْدَهُ مِثْلُ ذَلِكَ العِلْمِ الَّذِي ادَّعاهُ، ورَأى نَفْسَهُ بِهِ مُسْتَوْجِبَةً لِكُلِّ نِعْمَةٍ، ولَمْ يَعْلَمْ هَذا العِلْمَ النّافِعَ حَتّى يَقِيَ بِهِ نَفْسَهُ مَصارِعَ الهالِكِينَ ؟