Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 28:58-60
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهم لَمْ تُسْكَنْ مِن بَعْدِهِمْ إلّا قَلِيلًا وكُنّا نَحْنُ الوارِثِينَ﴾ ﴿وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا وما كُنّا مُهْلِكِي القُرى إلّا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الجَوابُ الثّانِي عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ لِأهْلِ مَكَّةَ ما خُصُّوا بِهِ مِنَ النِّعَمِ أتْبَعَهُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بِالأُمَمِ الماضِيَةِ الَّذِينَ كانُوا في نِعَمِ الدُّنْيا، فَلَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أزالَ اللَّهُ عَنْهم تِلْكَ النِّعَمَ، والمَقْصُودُ أنَّ الكُفّارَ لَمّا قالُوا: إنّا لا نُؤْمِنُ خَوْفًا مِن زَوالِ نِعْمَةِ الدُّنْيا، فاللَّهُ تَعالى بَيَّنَ لَهم أنَّ الإصْرارَ عَلى عَدَمِ قَبُولِ الإيمانِ هو الَّذِي يُزِيلُ هَذِهِ النِّعَمَ، لا الإقْدامُ عَلى الإيمانِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: البَطَرُ سُوءُ احْتِمالِ الغِنى، وهو أنْ لا يَحْفَظَ حَقَّ اللَّهِ تَعالى فِيهِ، وانْتَصَبَتْ ﴿مَعِيشَتَها﴾ إمّا بِحَذْفِ الجارِّ واتِّصالِ الفِعْلِ كَقَوْلِهِ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ (الأعْرافِ: ١٥٥) أوْ بِتَقْدِيرِ حَذْفِ الزَّمانِ المُضافِ، وأصْلُهُ بَطِرَتْ أيّامَ مَعِيشَتِها، وإمّا تَضْمِينُ بَطِرَتْ مَعْنى كَفَرَتْ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَتِلْكَ مَساكِنُهم لَمْ تُسْكَنْ مِن بَعْدِهِمْ إلّا قَلِيلًا﴾ فَفي هَذا الِاسْتِثْناءِ وُجُوهٌ: