Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 28:48-55
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ (مُحَمَّدٍ: ١٧) فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ مَحْمُولٌ عَلى القِسْمِ الثّانِي، ولا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى القِسْمِ الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّ عَدَمَ بَعْثَةِ الرَّسُولِ جارٍ مَجْرى العُذْرِ لَهم، فَبِأنْ يَكُونَ عَدَمُ الهِدايَةِ عُذْرًا لَهم أوْلى، ولَمّا بَيَّنَ تَعالى نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ بِهَذِهِ الدَّلالَةِ، قالَ: ﴿ولَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ﴾ وتَوْصِيلُ القَوْلِ هو إتْيانُ بَيانٍ بَعْدَ بَيانٍ، وهو مِن وصَلَ البَعْضَ بِالبَعْضِ، وهَذا القَوْلُ المُوصَلُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ: إنّا أنْزَلْنا القُرْآنَ مُنَجَّمًا مُفَرَّقًا يَتَّصِلُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ لِيَكُونَ ذَلِكَ أقْرَبَ إلى التَّذْكِيرِ والتَّنْبِيهِ، فَإنَّهم كُلَّ يَوْمٍ يَطَّلِعُونَ عَلى حِكْمَةٍ أُخْرى وفائِدَةٍ زائِدَةٍ، فَيَكُونُونَ عِنْدَ ذَلِكَ أقْرَبُ إلى التَّذَكُّرِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، يَكُونُ هَذا جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ: هَلّا أُوتِيَ مُحَمَّدٌ كِتابَهُ دَفْعَةً واحِدَةً كَما أُوتِيَ مُوسى كِتابَهُ كَذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: وصَّلْنا أخْبارَ الأنْبِياءِ بَعْضَها بِبَعْضٍ وأخْبارَ الكُفّارِ في كَيْفِيَّةِ هَلاكِهِمْ تَكْثِيرًا لِمَواضِعِ الِاتِّعاظِ والِانْزِجارِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: بَيَّنّا الدَّلالَةَ عَلى كَوْنِ هَذا القُرْآنِ مُعْجِزًا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا أقامَ الدَّلالَةَ عَلى النُّبُوَّةِ أكَّدَ ذَلِكَ بِأنْ قالَ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ﴾ أيْ مِن قَبْلِ القُرْآنِ أسْلَمُوا بِمُحَمَّدٍ، فَمَن لا يَعْرِفُ الكُتُبَ أوْلى بِذَلِكَ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: