Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 28:48-55
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الثّانِي: قَوْلُهم: ﴿إنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ﴾ أيْ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ ومُوسى وسائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا الكَلامَ لا يَلِيقُ إلّا بِالمُشْرِكِينَ لا بِاليَهُودِ، وذَلِكَ مُبالَغَةٌ في أنَّهم مَعَ كَثْرَةِ آياتِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَذَّبُوهُ، فَما الَّذِي يَمْنَعُ مِن مِثْلِهِ في مُحَمَّدٍ ﷺ وإنْ ظَهَرَتْ حُجَّتُهُ ؟ ولَمّا أجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ شُبَهِهِمْ ذَكَرَ الحجة الدّالَّةَ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَقالَ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِنهُما أتَّبِعْهُ﴾ وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى عَجْزِهِمْ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، قالَ الزَّجّاجُ: (أتَّبِعْهُ) بِالجَزْمِ عَلى الشَّرْطِ، ومَن قَرَأ (أتَّبِعُهُ) بِالرَّفْعِ، فالتَّقْدِيرُ: أنا أتَّبِعُهُ، ثم قال: ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ فَإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِما جِئْتَ بِهِ مِنَ الحُجَجِ، وقالَ مُقاتِلٌ: فَإنْ لَمْ يُمْكِنْهم أنْ يَأْتُوا بِكِتابِ أفْضَلَ مِنهُما، وهَذا أشْبَهُ بِالآيَةِ، فَإنْ قِيلَ: الِاسْتِجابَةُ تَقْتَضِي دُعاءً، فَأيْنَ الدُّعاءُ هَهُنا ؟ قُلْنا: قَوْلُهُ: ﴿فَأْتُوا بِكِتابٍ﴾ أمْرٌ والأمْرُ دُعاءٌ إلى الفِعْلِ، ثم قال: ﴿فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهُمْ﴾ يَعْنِي قَدْ صارُوا مُلْزَمِينَ ولَمْ يَبْقَ لَهم شَيْءٌ إلّا اتِّباعَ الهَوى، ثُمَّ زَيَّفَ طَرِيقَتَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ وهَذا مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ، وأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الحجة والِاسْتِدْلالِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ وهو عامٌّ يَتَناوَلُ الكافِرَ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لُقْمانَ: ١٣) واحْتَجَّ الأصْحابُ بِهِ في أنَّ هِدايَةَ اللَّهِ تَعالى خاصَّةً بِالمُؤْمِنِينَ.