cahtCréer un compte gratuit

Tafsir

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 28:38

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi

الثّانِي: اخْتَلَفُوا في أنَّ فِرْعَوْنَ هَلْ بَنى هَذا الصَّرْحَ ؟ فَقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ بَناهُ، قالُوا: إنَّهُ لَمّا أمَرَ بِبِناءِ الصَّرْحِ، جَمَعَ هامانُ العُمّالَ حَتّى اجْتَمَعَ خَمْسُونَ ألْفَ بَنّاءٍ سِوى الأتْباعِ والأُجَراءِ، وأمَرَ بِطَبْخِ الآجُرِّ والجِصِّ ونَجْرِ الخَشَبِ وضَرْبِ المَسامِيرِ، فَشَيَّدُوهُ حَتّى بَلَغَ ما لَمْ يَبْلُغْهُ بُنْيانُ أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَضَرَبَهُ بِجَناحِهِ فَقَطَعَهُ ثَلاثَ قِطَعٍ؛ قِطْعَةٌ وقَعَتْ عَلى عَسْكَرِ فِرْعَوْنَ، فَقَتَلَتْ ألْفَ ألْفَ رَجُلٍ، وقِطْعَةٌ وقَعَتْ في البَحْرِ، وقِطْعَةٌ في المَغْرِبِ، ولَمْ يَبْقَ أحَدٌ مِن عُمّالِهِ إلّا وقَدْ هَلَكَ، ويُرْوى في هَذِهِ القِصَّةِ أنَّ فِرْعَوْنَ ارْتَقى فَوْقَهُ ورَمى بِنُشّابَةٍ نَحْوَ السَّماءِ، فَأرادَ اللَّهُ أنْ يَفْتِنَهم، فَرُدَّتْ إلَيْهِمْ وهي مَلْطُوخَةٌ بِالدَّمِ، فَقالَ: قَدْ قَتَلْتُ إلَهَ مُوسى، فَعِنْدَ ذَلِكَ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِهَدْمِهِ. ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّهُ لَمْ يَبْنِ ذَلِكَ الصَّرْحَ؛ لِأنَّهُ يَبْعُدُ مِنَ العُقَلاءِ أنْ يَظُنُّوا أنَّهم بِصُعُودِ الصَّرْحِ يَقْرَبُونَ مِنَ السَّماءِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ مَن عَلى أعْلى الجِبالِ الشّاهِقَةِ يَرى السَّماءَ كَما كانَ يَراها حِينَ كانَ عَلى قَرارِ الأرْضِ، ومَن شَكَّ في ذَلِكَ خَرَجَ عَنْ حَدِّ العَقْلِ، وهَكَذا القَوْلُ فِيما يُقالُ: مِن رَمْيِ السَّهْمِ إلى السَّماءِ ورُجُوعِهِ مُتَلَطِّخًا بِالدَّمِ، فَإنَّ كُلَّ مَن كانَ كامِلَ العَقْلِ يَعْلَمُ أنَّهُ لا يُمْكِنُهُ إيصالَ السَّهْمِ إلى السَّماءِ، وأنَّ مَن حاوَلَ ذَلِكَ كانَ مِنَ المَجانِينِ، فَلا يَلِيقُ بِالعَقْلِ والدِّينِ حَمْلُ القِصَّةِ الَّتِي حَكاها اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ عَلى مَحْمَلٍ يُعَرَفُ فَسادُهُ بِضَرُورَةِ العَقْلِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ مَشْرَعًا قَوِيًّا لِمَن أحَبَّ الطَّعْنَ في القُرْآنِ، فالأقْرَبُ أنَّهُ كانَ أُوهِمَ البِناءَ ولَمْ يَبِنِ، أوْ كانَ هَذا مِن تَتِمَّةِ قَوْلِهِ: ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ يَعْنِي لا سَبِيلَ إلى إثْباتِهِ بِالدَّلِيلِ، فَإنَّ حَرَكاتِ الكَواكِبِ كافِيَةٌ في تَغَيُّرِ هَذا العالَمِ، ولا سَبِيلَ إلى إثْباتِهِ بِالحِسِّ، فَإنَّ الإحْساسَ بِهِ لا يُمْكِنُ إلّا بَعْدَ صُعُودِ السَّماءِ، وذَلِكَ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ، ثم قال عِنْدَ ذَلِكَ لِهامانَ: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ ﴿أسْبابَ السَّماواتِ﴾ [غافر: ٣٦] وإنَّما قالَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، فَبِمَجْمُوعِ هَذِهِ الأشْياءِ قَرَّرَ أنَّهُ لا دَلِيلَ عَلى الصّانِعِ، ثُمَّ إنَّهُ رَتَّبَ النَّتِيجَةَ عَلَيْهِ، فَقالَ:

Lire dans la bibliothèque caht

caht retrouve la source exacte d'un verset, d'un hadith ou d'un passage des savants. Gratuit, sans publicité.