Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 27:67-75
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الثّانِي: أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ أنَّ عَذابَ الحِجابِ أشَدُّ مِن عَذابِ النّارِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ (المُطَفِّفِينَ: ١٥ - ١٦) فَقَدَّمَ الحِجابَ عَلى الجَحِيمِ، ثُمَّ إنَّهم كانُوا مَحْجُوبِينَ في الحالِ، فَكانَ سَبَبُ العَذابِ بِكَمالِهِ حاصِلًا، إلّا أنَّ الِاشْتِغالَ بِالدُّنْيا ولَذّاتِها كالعائِقِ عَنْ إدْراكِ ذَلِكَ الألَمِ، كَما أنَّ العُضْوَ الخَدِرَ إذا مَسَّتْهُ النّارُ، فَإنَّ سَبَبَ الألَمِ حاصِلٌ في الحالِ، لَكِنَّهُ لا يَحْصُلُ الشُّعُورُ بِذَلِكَ الألَمِ لِقِيامِ العائِقِ، فَإذا زالَ العائِقُ عَظُمَ البَلاءُ، فَكَذا هَهُنا إذا زالَ البَدَنُ عَظُمَ عَذابُ الحِجابِ، فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ يَعْنِي المُقْتَضِيَ لَهُ والمُؤَثِّرَ فِيهِ حاصِلٌ، وتَمامُهُ: إنَّما يَحْصُلُ بَعْدَ المَوْتِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ السَّبَبَ في تَرْكِ تَعْجِيلِ العَذابِ، فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ والفَضْلُ الإفْضالُ، ومَعْناهُ: أنَّهُ مُتَفَضِّلٌ عَلَيْهِمْ بِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ، وأكْثَرُهم لا يَعْرِفُونَ هَذِهِ النِّعْمَةَ ولا يَشْكُرُونَها، وهَذِهِ الآيَةُ تُبْطِلُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّهُ لا نِعْمَةَ لِلَّهِ عَلى الكُفّارِ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ما في قُلُوبِهِمْ، فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ وهَهُنا بَحْثٌ عَقْلِيٌّ، وهو أنَّهُ قَدَّمَ ما تُكِنُّهُ صُدُورُهم عَلى ما يُعْلِنُونَ مِنَ العِلْمِ، والسَّبَبُ أنَّ ما تُكِنُّهُ صُدُورُهم هو الدَّواعِي والقُصُودُ، وهي أسْبابٌ لِما يُعْلِنُونَ، وهي أفْعالُ الجَوارِحِ، والعِلْمُ بِالعِلَّةِ عِلَّةٌ لِلْعِلْمِ بِالمَعْلُولِ، فَهَذا هو السَّبَبُ في ذَلِكَ التَّقْدِيمِ، قُرِئَ ( تَكُنُّ) يُقالُ: كَنَنْتُ الشَّيْءَ وأكْنَنْتُهُ إذا سَتَرْتَهُ وأخْفَيْتَهُ، يَعْنِي أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ مِن عَداوَةِ الرَّسُولِ ومَكايِدِهِمْ.