Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 27:10-16
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقالَ الحَسَنُ: المالُ؛ لِأنَّ النُّبُوَّةَ عَطِيَّةٌ مُبْتَدَأةٌ ولا تُورَثُ، وقالَ غَيْرُهُ: بَلِ النُّبُوَّةُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُلْكُ والسِّياسَةُ، ولَوْ تَأمَّلَ الحَسَنُ لَعَلِمَ أنَّ المالَ إذا ورِثَهُ الوَلَدُ فَهو أيْضًا عَطِيَّةٌ مُبْتَدَأةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولِذَلِكَ يَرِثُ الوَلَدُ إذا كانَ مُؤْمِنًا ولا يَرِثُ إذا كانَ كافِرًا أوْ قاتِلًا، لَكِنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ سَبَبَ الإرْثِ فِيمَن يَرِثُ المَوْتَ عَلى شَرائِطَ، ولَيْسَ كَذَلِكَ النُّبُوَّةُ لِأنَّ المَوْتَ لا يَكُونُ سَبَبًا لِنُبُوَّةِ الوَلَدِ فَمِن هَذا الوجه يَفْتَرِقانِ، وذَلِكَ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يُوصَفَ بِأنَّهُ ورِثَ النُّبُوَّةَ لَمّا قامَ بِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، كَما يَرِثُ الوَلَدُ المالَ إذا قامَ بِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ؛ ومِمّا يُبَيِّنُ ما قُلْناهُ أنَّهُ تَعالى لَوْ فَصَّلَ فَقالَ: ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ مالَهُ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: ﴿وقالَ ياأيُّها النّاسُ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾ مَعْنًى، وإذا قُلْنا ووَرِثَ مَقامَهُ مِنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ حَسُنَ ذَلِكَ لِأنَّ تَعْلِيمَ مَنطِقِ الطَّيْرِ يَكُونُ داخِلًا في جُمْلَةِ ما ورِثَهُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ لِأنَّ وارِثَ المُلْكِ يَجْمَعُ ذَلِكَ ووارِثَ المالِ لا يَجْمَعُهُ وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَضْلُ المُبِينُ﴾ لا يَلِيقُ أيْضًا إلّا بِما ذَكَرْنا دُونَ المالِ الَّذِي قَدْ يَحْصُلُ لِلْكامِلِ والنّاقِصِ، وما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن جُنُودِ سُلَيْمانَ بَعْدَهُ لا يَلِيقُ إلّا بِما ذَكَرْناهُ، فَبَطَلَ بِما ذَكَرْنا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّهُ لَمْ يَرِثْ إلّا المالَ، فَأمّا إذا قِيلَ: ورِثَ المالَ والمُلْكَ مَعًا فَهَذا لا يَبْطُلُ بِالوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْناها، بَلْ بِظاهِرِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«نَحْنُ مُعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُوَرَّثُ» “ .