Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 27:1-3
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ فالأقْرَبُ أنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ لِأنَّ التَّعْرِيفَ بِالألِفِ واللّامِ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وإقامَةُ الصَّلاةِ أنْ يُؤْتى بِها بِشَرائِطِها، وكَذا القَوْلُ في الزَّكاةِ فَإنَّها هي الواجِبَةُ، وإقامَتُها وضْعُها في حَقِّها.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ فَفِيهِ سُؤالٌ وهو: أنَّ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونُوا مُتَيَقِّنِينَ بِالآخِرَةِ، فَما الوجه مَن ذِكْرِهِ مَرَّةً أُخْرى ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ صِلَةِ المَوْصُولِ، ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ كَمالَ الإنْسانِ في أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ، والخَبَرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، وأمّا عِرْفانُ الحَقِّ فَأقْسامٌ كَثِيرَةٌ لَكِنَّ الَّذِي يُسْتَفادُ مِنهُ طَرِيقُ النَّجاةِ مَعْرِفَةُ المَبْدَأِ، ومَعْرِفَةُ المَعادِ، وأمّا الخَيْرُ الَّذِي يُعْمَلُ بِهِ فَأقْسامٌ كَثِيرَةٌ وأشْرَفُها قِسْمانِ: الطّاعَةُ بِالنَّفْسِ والطّاعَةُ بِالمالِ فَقَوْلُهُ: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ إشارَةٌ إلى مَعْرِفَةِ المَبْدَأِ، وقَوْلُهُ: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ إشارَةٌ إلى الطّاعَةِ بِالنَّفْسِ والمالِ، وقَوْلُهُ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ إشارَةٌ إلى عِلْمِ المَعادِ فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى جَعْلَ مَعْرِفَةَ المَبْدَأِ طَرَفًا أوَّلًا، ومَعْرِفَةَ المَعادِ طَرَفًا أخِيرًا وجَعَلَ الطّاعَةَ بِالنَّفْسِ والمالِ مُتَوَسِّطًا بَيْنَهُما.