Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 26:102-104
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الحَقِيقَةِ قَوْلُهم: ﴿وما أضَلَّنا إلّا المُجْرِمُونَ﴾ وأرادُوا بِذَلِكَ مَن دَعاهم إلى عِبادَةِ الأصْنامِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ وهو كَقَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٦٧] فَأمّا قَوْلُهم: ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ كَما نَرى المُؤْمِنِينَ لَهم شُفَعاءُ مِنَ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ ﴿ولا صَدِيقٍ﴾ كَما نَرى لَهم أصْدِقاءَ لِأنَّهُ لا يَتَصادَقُ في الآخِرَةِ إلّا المُؤْمِنُونَ، وأمّا أهْلُ النّارِ فَبَيْنَهُمُ التَّعادِي والتَّباغُضُ قالَ تَعالى: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] أوْ ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ ﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ مِنَ الَّذِينَ كُنّا نَعُدُّهم شُفَعاءَ وأصْدِقاءَ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ في أصْنامِهِمْ أنَّهم شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وكانَ لَهم أصْدِقاءُ مِن شَياطِينِ الإنْسِ، أوْ أرادُوا أنَّهم إنْ وقَعُوا في مَهْلَكَةٍ عَلِمُوا أنَّ الشُّفَعاءَ والأصْدِقاءَ لا يَنْفَعُونَهم ولا يَدْفَعُونَ عَنْهم، فَقَصَدُوا بِنَفْيِهِمْ نَفِيَ ما تَعَلَّقَ بِهِمْ مِنَ النَّفْعِ، لِأنَّ ما لا يَنْفَعُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ المَعْدُومِ، والحَمِيمُ مِنَ الِاحْتِمامِ وهو الِاهْتِمامُ وهو الَّذِي يَهُمُّهُ ما يَهُمُّكَ، أوْ مِنَ الحامَّةِ بِمَعْنى الخاصَّةِ وهو الصَّدِيقُ الخالِصُ، وإنَّما جَمَعَ الشُّفَعاءَ ووَحَّدَ الصَّدِيقَ لِكَثْرَةِ الشُّفَعاءِ في العادَةِ وقِلَّةِ الصَّدِيقِ، فَإنَّ الرَّجُلَ المُمْتَحَنَ بِإرْهاقِ الظّالِمِ قَدْ يَنْهَضُ جَماعَةٌ وافِرَةٌ مِن أهْلِ بَلَدِهِ لِشَفاعَتِهِ رَحْمَةً لَهُ، وأمّا الصَّدِيقُ وهو الصّادِقُ في وِدادِكَ، فَأعَزُّ مِن بَيْضِ الأنُوقِ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالصَّدِيقِ الجَمْعَ ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْهم قَوْلَهم: ﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ وأنَّهم تَمَنَّوُا الرَّجْعَةَ إلى الدُّنْيا، ولَوْ في مِثْلِ هَذا الوَضْعِ في مَعْنى التَّمَنِّي كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَيْتَ لَنا كَرَّةً، وذَلِكَ لِما بَيْنَ مَعْنى لَوْ ولَيْتَ مِنَ التَّلاقِي في التَّقْدِيرِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَلى أصْلِها ويُحْذَفُ الجَوابُ وهو لَفَعَلْنا كَيْتَ وكَيْتَ. قالَ الجُبّائِيُّ: إنْ قَوْلَهم ﴿فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ لَيْسَ بِخَبَرٍ عَنْ إيمانِهِمْ لَكِنَّهُ خَبَرٌ عَنْ عَزْمِهِمْ لِأنَّهُ لَوْ كانَ خَبَرًا عَنْ إيمانِهِمْ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ صِدْقًا، لَأنَّ الكَذِبَ لا يَقَعُ مِن أهْلِ الآخِرَةِ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِخِلافِ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ بَيانُ فَسادِ هَذا الكَلامِ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ فِيما ذَكَرَهُ مِن قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَآيَةً لِمَن يُرِيدُ أنْ يَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ ثم قال: ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ والأكْثَرُونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ حَمَلُوهُ عَلى قَوْمِ إبْراهِيمَ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مَعَ كُلِّ هَذِهِ الدَّلائِلِ فَأكْثَرُ قَوْمِهِ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ فَيَكُونُ هَذا تَسْلِيَةً لِلرَّسُولِ ﷺ، فِيما يَجِدُهُ مِن تَكْذِيبِ قَوْمِهِ.