Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 26:83-101
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
النُّبُوَّةَ كانَتْ حاصِلَةً فَلَوْ طَلَبَ النُّبُوَّةَ لَكانَتِ النُّبُوَّةُ المَطْلُوبَةُ، إمّا عَيْنَ النُّبُوَّةِ الحاصِلَةَ أوْ غَيْرَها، والأوَّلُ مُحالٌ لِأنَّ تَحْصِيلَ الحاصِلِ مُحالٌ، والثّانِي مُحالٌ لِأنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الشَّخْصُ الواحِدُ نَبِيًّا مَرَّتَيْنِ، بَلِ المُرادُ مِنَ الحُكْمِ ما هو كَمالُ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ، وذَلِكَ بِإدْراكِ الحَقِّ ومِن قَوْلِهِ ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ كَمالُ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ عامِلًا بِالخَيْرِ فَإنَّ كَمالِ الإنْسانِ أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ، والخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، وإنَّما قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ لِما أنَّ القُوَّةَ النَّظَرِيَّةَ مُقَدِّمَةٌ عَلى القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ بِالشَّرَفِ وبِالذّاتِ، وأيْضًا فَإنَّهُ يُمْكِنُهُ أنْ يَعْلَمَ الحَقَّ وإنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالخَيْرِ وعَكْسُهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ، ولِأنَّ العِلْمَ صِفَةُ الرُّوحِ والعَمَلَ صِفَةُ البَدَنِ، ولَمّا كانَ الرُّوحُ أشْرَفَ مِنَ البَدَنِ كانَ العِلْمُ أفْضَلَ مِنَ العَمَلِ، وإنَّما فَسَّرْنا مَعْرِفَةَ الأشْياءِ بِالحُكْمِ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَعْرِفُ حَقائِقَ الأشْياءِ إلّا إذا اسْتَحْضَرَ في ذِهْنِهِ صُوَرَ الماهِيّاتِ، ثُمَّ نَسَبَ بَعْضَها إلى بَعْضٍ بِالنَّفْيِ أوْ بِالإثْباتِ، وتِلْكَ النِّسْبَةُ وهي الحُكْمُ، ثُمَّ إنْ كانَتِ النِّسَبُ الذِّهْنِيَّةُ مُطابِقَةً لِلنِّسَبِ الخارِجِيَّةِ كانَتِ النِّسَبُ الذِّهْنِيَّةُ مُمْتَنِعَةَ التَّغَيُّرِ فَكانَتْ مُسْتَحْكِمَةً قَوِيَّةً، فَمِثْلُ هَذا الإدْراكِ يُسَمّى حِكْمَةً وحُكْمًا، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أرِنا الأشْياءَ كَما هي» “ وأمّا الصَّلاحُ فَهو كَوْنُ القُوَّةِ العاقِلَةِ مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ رَذِيلَتِيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، وذَلِكَ لِأنَّ الإفْراطَ في أحَدِ الجانِبَيْنِ تَفْرِيطٌ في الجانِبِ الآخَرِ وبِالعَكْسِ فالصَّلاحُ لا يَحْصُلُ إلّا بِالِاعْتِدالِ، ولَمّا كانَ الِاعْتِدالُ الحَقِيقِيُّ شَيْئًا واحِدًا لا يَقْبَلُ القِسْمَةَ البَتَّةَ والأفْكارُ البَشَرِيَّةُ في هَذا العالَمِ قاصِرَةً عَلى إدْراكِ أمْثالِ هَذِهِ الأشْياءِ، لا جَرَمَ لا يَنْفَكُّ البَشَرُ عَنِ الخُرُوجِ عَنْ ذَلِكَ الحَدِّ وإنْ قَلَّ، إلّا أنَّ خُرُوجَ المُقَرَّبِينَ عَنْهُ يَكُونُ في القِلَّةِ بِحَيْثُ لا يُحَسُّ بِهِ، وخُرُوجُ العُصاةِ عَنْهُ يَكُونُ مُتَفاحِشًا جِدًّا فَقَدْ ظَهَرَ مِن هَذا تَحْقِيقُ ما قِيلَ: حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، وظَهَرَ احْتِياجُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أنْ يَقُولَ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ .