Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 26:79-82
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الثّانِي: أنَّ المَرَضَ إنَّما يَحْدُثُ بِاسْتِيلاءِ بَعْضِ الأخْلاطِ عَلى بَعْضٍ، وذَلِكَ الِاسْتِيلاءُ إنَّما يَحْصُلُ بِسَبَبِ ما بَيْنَها مِنَ التَّنافُرِ الطَّبِيعِيِّ. أمّا الصِّحَّةُ فَهي إنَّما تَحْصُلُ عِنْدَ بَقاءِ الأخْلاطِ عَلى اعْتِدالِها، وبَقاؤُها عَلى اعْتِدالِها إنَّما يَكُونُ بِسَبَبٍ قاهِرٍ يَقْهَرُها عَلى الِاجْتِماعِ، وعَوْدُها إلى الصِّحَّةِ إنَّما يَكُونُ أيْضًا بِسَبَبٍ قاهِرٍ يَقْهَرُها عَلى العَوْدِ إلى الِاجْتِماعِ والِاعْتِدالِ بَعْدَ أنْ كانَتْ بِطابَعِها مُشْتاقَةً إلى التَّفَرُّقِ والنِّزاعِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أضافَ الشِّفاءَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وما أضافَ المَرَضَ إلَيْهِ.
وثالِثُها: وهو أنَّ الشِّفاءَ مَحْبُوبٌ وهو مِن أُصُولِ النِّعَمِ، وكانَ مَقْصُودُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعْدِيدَ النِّعَمِ، ولَمّا لَمْ يَكُنِ المَرَضُ مِنَ النِّعَمِ لا جَرَمَ لَمْ يُضِفْهُ إلَيْهِ تَعالى، فَإنْ نَقَضْتَهُ بِالإماتَةِ فَجَوابُهُ: أنَّ المَوْتَ لَيْسَ بِضَرَرٍ، لِأنَّ شَرْطَ كَوْنِهِ ضَرَرًا وُقُوعُ الإحْساسِ بِهِ، وحالَ حُصُولِ المَوْتِ لا يَقَعُ الإحْساسُ بِهِ، إنَّما الضَّرَرُ في مُقَدِّماتِهِ وذَلِكَ هو عَيْنُ المَرَضِ، وأيْضًا فَلِأنَّكَ قَدْ عَرَفْتَ أنَّ الأرْواحَ إذا كَمُلَتْ في العُلُومِ والأخْلاقِ كانَ بَقاؤُها في هَذِهِ الأجْسادِ عَيْنَ الضَّرَرِ وخُلاصَتُها عَنْها عَيْنَ السَّعادَةِ بِخِلافِ المَرَضِ.