Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 26:34-37
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
جَوابُهُ: أمّا الحَيَّةُ فَهي اسْمُ الجِنْسِ ثُمَّ إنَّها لِكِبَرِها صارَتْ ثُعْبانًا، وشَبَّهَها بِالجانِّ لِخِفَّتِها وسُرْعَتِها فَصَحَّ الكَلامانِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ شَبَّهَها بِالشَّيْطانِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧] ويُحْتَمَلُ أنَّها كانَتْ أوَّلًا صَغِيرَةً كالجانِّ ثُمَّ عَظُمَتْ فَصارَتْ ثُعْبانًا، ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أتى بِهَذِهِ الآيَةِ قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ: هَلْ غَيْرَها ؟ قالَ: نَعَمْ، فَأراهُ يَدَهُ ثُمَّ أدْخَلَها جَيْبَهُ ثُمَّ أخْرَجَها فَإذا هي بَيْضاءُ يُضِيءُ الوادِي مِن شِدَّةِ بَياضِها مِن غَيْرِ بَرَصٍ لَها شُعاعٌ كَشُعاعِ الشَّمْسِ، فَعِنْدَ هَذا أرادَ فِرْعَوْنُ تَعْمِيَةَ هَذِهِ الحجة عَلى قَوْمِهِ فَذَكَرَ فِيها أُمُورًا ثَلاثَةً:
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الزَّمانَ كانَ زَمانَ السَّحَرَةِ وكانَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنهم أنَّ السّاحِرَ قَدْ يَجُوزُ أنْ يَنْتَهِيَ بِسِحْرِهِ إلى هَذا الحَدِّ فَلِهَذا رَوَّجَ عَلَيْهِمْ هَذا القَوْلَ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِ﴾ وهَذا يَجْرِي مَجْرى التَّنْفِيرِ عَنْهُ لِئَلّا يَقْبَلُوا قَوْلَهُ، والمَعْنى يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِما يُلْقِيهِ بَيْنَكم مِنَ العَداواتِ فَيُفَرِّقُ جَمْعَكم، ومَعْلُومٌ أنَّ مُفارَقَةَ الوَطَنِ أصْعَبُ الأُمُورِ فَنَفَّرَهم عَنْهُ بِذَلِكَ، وهَذا نِهايَةُ ما يَفْعَلُهُ المُبْطِلُ في التَّنْفِيرِ عَنِ المُحِقِّ.