Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 26:24-33
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واجِبًا لِذاتِهِ، وما لَمْ يَكُنْ واجِبًا لِذاتِهِ اسْتَحالَ وُجُودُهُ إلّا لِمُؤَثِّرٍ، فَكانَ التَّعْرِيفُ بِهَذا الأثَرِ أظْهَرَ فَلِهَذا عَدَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ إلَيْهِ. فَقالَ فِرْعَوْنُ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ يَعْنِي المَقْصُودَ مِن سُؤالِ ما طَلَبُ الماهِيَّةِ وخُصُوصِيَّةِ الحَقِيقَةِ والتَّعْرِيفُ بِهَذِهِ الآثارِ الخارِجِيَّةِ لا يُفِيدُ البَتَّةَ تِلْكَ الخُصُوصِيَّةَ، فَهَذا الَّذِي يَدَّعِي الرِّسالَةَ مَجْنُونٌ لا يَفْهَمُ السُّؤالَ فَضْلًا عَنْ أنْ يُجِيبَ عَنْهُ، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فَعَدَلَ إلى طَرِيقٍ ثالِثٍ أوْضَحَ مِنَ الثّانِي، وذَلِكَ لِأنَّهُ أرادَ بِالمَشْرِقِ طُلُوعَ الشَّمْسِ وظُهُورَ النَّهارِ، وأرادَ بِالمَغْرِبِ غُرُوبَ الشَّمْسِ وزَوالَ النَّهارِ، والأمْرُ ظاهِرٌ في أنَّ هَذا التَّدْبِيرَ المُسْتَمِرَّ عَلى الوجه العَجِيبِ لا يَتِمُّ إلّا بِتَدْبِيرِ مُدَبِّرٍ وهَذا بِعَيْنِهِ طَرِيقَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ نَمْرُوذَ، فَإنَّهُ اسْتَدَلَّ أوَّلًا بِالإحْياءِ والإماتَةِ وهو الَّذِي ذَكَرَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَهُنا بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ فَأجابَهُ نَمْرُوذُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنا أُحْيِي وأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] فَقالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وهو الَّذِي ذَكَرَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَهُنا بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ .