Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 26:24-33
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
البَحْثُ الثّانِي: وهو أنَّهُ قالَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ ؟ واعْلَمْ أنَّ السُّؤالَ بِما طَلَبَ لِتَعْرِيفِ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ، وتَعْرِيفُ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ إمّا أنْ يَكُونَ بِنَفْسِ تِلْكَ الحَقِيقَةِ أوْ بِشَيْءٍ مِن أجْزائِها أوْ بِأمْرٍ خارِجٍ عَنْها أوْ بِما يَتَرَكَّبُ مِنَ الدّاخِلِ والخارِجِ. أمّا تَعْرِيفُها بِنَفْسِها فَمُحالٌ، لِأنَّ المُعَرَّفَ مَعْلُومٌ قَبْلَ المُعَرِّفِ، فَلَوْ عَرَّفَ الشَّيْءَ بِنَفْسِهِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا قَبْلَ أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا وهو مُحالٌ. وأمّا تَعْرِيفُها بِالأُمُورِ الدّاخِلَةِ فِيها فَهَهُنا في حَقِّ واجِبِ الوُجُودِ مُحالٌ، لِأنَّ التَّعْرِيفَ بِالأُمُورِ الدّاخِلَةِ لا يُمْكِنُ إلّا إذا كانَ المُعَرَّفُ مُرَكَّبًا، وواجِبُ الوُجُودِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا، لِأنَّ كُلَّ مُرَكَّبٍ فَهو مُحْتاجٌ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ، وكُلُّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ فَهو غَيْرُهُ، فَكُلُّ مُرَكَّبٍ مُحْتاجٌ إلى غَيْرِهِ، وكُلُّ ما احْتاجَ إلى غَيْرِهِ فَهو مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، وكُلُّ مُرَكَّبٍ فَهو مُمْكِنٌ، فَما لَيْسَ بِمُمْكِنٍ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا، فَواجِبُ الوُجُودِ لَيْسَ بِمُرَكَّبٍ، وإذا لَمْ يَكُنْ مُرَكَّبًا اسْتَحالَ تَعْرِيفُهُ بِأجْزائِهِ، ولَمّا بَطَلَ هَذانِ القِسْمانِ ثَبَتَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ تَعْرِيفُ ماهِيَّةِ واجِبِ الوُجُودِ إلّا بِلَوازِمِهِ وآثارِهِ، ثُمَّ إنَّ اللَّوازِمَ قَدْ تَكُونُ خَفِيَّةً، وقَدْ تَكُونُ جَلِيَّةً، ولا يَجُوزُ تَعْرِيفُ الماهِيَّةِ بِاللَّوازِمِ الخَفِيَّةِ بَلْ لا بُدَّ مِن تَعْرِيفِها بِاللَّوازِمِ الجَلِيَّةِ، وأظْهَرُ آثارِ ذاتِ واجِبِ الوُجُودِ هو هَذا العالَمُ المَحْسُوسُ وهو السَّماواتُ