Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 26:21-23
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
اعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا ذَكَرَ التَّرْبِيَةَ وذَكَرَ القَتْلَ وقَدْ كانَتْ تَرْبِيَتُهُ لَهُ مَعْلُومَةً ظاهِرَةً، لا جَرَمَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما أنْكَرَها، ولَمْ يَشْتَغِلْ بِالجَوابِ عَنْها، لِأنَّهُ تَقَرَّرَ في العُقُولِ أنَّ الرَّسُولَ إلى الغَيْرِ إذا كانَ مَعَهُ مُعْجِزٌ وحُجَّةٌ لَمْ يَتَغَيَّرْ حالُهُ بِأنْ يَكُونَ المُرْسَلُ إلَيْهِ أنْعَمَ عَلَيْهِ أوْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، فَصارَ قَوْلُ فِرْعَوْنَ لَمّا قالَهُ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ البَتَّةَ، ومِثْلُ هَذا الكَلامِ الإعْراضُ عَنْهُ أوْلى، ولَكِنْ أجابَ عَنِ القَتْلِ بِما لا شَيْءَ أبْلَغَ مِنهُ في الجَوابِ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ والمُرادُ بِذَلِكَ الذّاهِلِينَ عَنْ مَعْرِفَةِ ما يَئُولُ إلَيْهِ مِنَ القَتْلِ لِأنَّهُ فَعَلَ الوَكْزَةَ عَلى وجْهِ التَّأْدِيبِ، ومِثْلُ ذَلِكَ رُبَّما حَسُنَ وإنْ أدّى إلى القَتْلِ فَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ فَعَلَهُ عَلى وجْهٍ لا يَجُوزُ مَعَهُ أنْ يُؤاخَذَ بِهِ أوْ يُعَدَّ مِنهُ كافِرًا أوْ كافِرًا لِنِعَمِهِ، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَفَرَرْتُ مِنكم لَمّا خِفْتُكُمْ﴾ فالمُرادُ أنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ الفِعْلَ وأنا ذاهِلٌ عَنْ كَوْنِهِ مُهْلِكًا وكانَ مِنِّي في حُكْمِ السَّهْوِ، فَلَمْ أسْتَحِقَّ التَّخْوِيفَ الَّذِي يُوجِبُ الفِرارَ ومَعَ ذَلِكَ فَرَرْتُ مِنكم عِنْدَ قَوْلِكم: ﴿إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: ٢٠] فَبَيَّنَ بِذَلِكَ أنَّهُ لا نِعْمَةَ لَهُ عَلَيْهِ في بابِ تِلْكَ الفِعْلَةِ، بَلْ بِأنْ يَكُونَ مُسِيئًا فِيهِ أقْرَبُ مِن حَيْثُ خُوِّفَ تَخْوِيفًا أوْجَبَ الفِرارَ، ثُمَّ بَيَّنَ نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ بَعْدَ الفِرارِ، فَكَأنَّهُ قالَ أسَأْتُمْ وأحْسَنَ اللَّهُ إلَيَّ بِأنْ وهَبَ لِي حُكْمًا وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ، واخْتَلَفُوا في الحُكْمِ والأقْرَبُ أنَّهُ غَيْرُ النُّبُوَّةِ لِأنَّ المَعْطُوفَ غَيْرُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، والنُّبُوَّةُ مَفْهُومَةٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ فالمُرادُ بِالحُكْمِ العِلْمُ ويَدْخُلُ في العِلْمِ العَقْلُ والرَّأْيُ والعِلْمُ بِالدِّينِ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ، وهَذا أقْرَبُ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَبْعَثَهُ تَعالى إلّا مَعَ كَمالِهِ في العَقْلِ والرَّأْيِ والعِلْمِ بِالتَّوْحِيدِ وقَوْلُهُ: ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾