Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 26:1-4
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
بِخِلافِهِ، فَلا تُبالِغْ في الحُزْنِ والأسَفِ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّكَ إنْ بالَغْتَ فِيهِ كُنْتَ بِمَنزِلَةِ مَن يَقْتُلُ نَفْسَهُ ثُمَّ لا يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ أصْلًا، فَصَبَّرَهُ وعَزّاهُ وعَرَّفَهُ أنَّ غَمَّهُ وحُزْنَهُ لا نَفْعَ فِيهِ، كَما أنَّ وُجُودَ الكِتابِ عَلى بَيانِهِ ووُضُوحِهِ لا نَفْعَ لَهم فِيهِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُنْزِلَ آيَةً يَذِلُّونَ عِنْدَها ويَخْضَعُونَ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ صَحَّ مَجِيءُ ﴿خاضِعِينَ﴾ خَبَرًا عَنِ الأعْناقِ ؟ قُلْنا: أصْلُ الكَلامِ: فَظَلُّوا لَها خاضِعِينَ، فَذُكِرَتِ الأعْناقُ لِبَيانِ مَوْضِعِ الخُضُوعِ، ثُمَّ تُرِكَ الكَلامُ عَلى أصْلِهِ، ولَمّا وُصِفَتْ بِالخُضُوعِ الَّذِي هو لِلْعُقَلاءِ، قِيلَ: ﴿خاضِعِينَ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿لِي ساجِدِينَ﴾ [يُوسُفَ: ٤]، وقِيلَ: أعْناقُ النّاسِ رُؤَساؤُهم ومُقَدَّمُوهم، شُبِّهُوا بِالأعْناقِ كَما يُقالُ: هُمُ الرُّءُوسُ والصُّدُورُ، وقِيلَ: هم جَماعاتُ النّاسِ، يُقالُ: جاءَنا عُنُقٌ مِنَ النّاسِ لِفَوْجٍ مِنهم.
المسألة الرّابِعَةُ: نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الكَهْفِ: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطِرٍ: ٨] .