Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 25:50-52
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثالِثُها: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ﴾ أيْ هَذا القَوْلَ بَيْنَ النّاسِ في القُرْآنِ وسائِرِ الكُتُبِ والصُّحُفِ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلى الرُّسُلِ، وهو ذِكْرُ إنْشاءِ السَّحابِ وإنْزالِ القَطْرِ لِيَتَفَكَّرُوا ويَسْتَدِلُّوا بِهِ عَلى الصّانِعِ، والوجه الأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ المَذْكُوراتِ إلى الضَّمِيرِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى مُرِيدٌ مِنَ الكُلِّ أنْ يَتَذَكَّرُوا ويَشْكُرُوا، ولَوْ أرادَ مِنهم أنْ يَكْفُرُوا ويُعْرِضُوا لَما صَحَّ ذَلِكَ، وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى مُرِيدٌ لِلْكُفْرِ مِمَّنْ يَكْفُرُ، قالَ: ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ عَلى قُدْرَتِهِمْ عَلى فِعْلِ هَذا التَّذَكُّرِ؛ إذْ لَوْ لَمْ يَقْدِرُوا لَما جازَ أنْ يُقالَ: أبَوْا أنْ يَفْعَلُوهُ، كَما لا يُقالُ في الزَّمَنِ: أبى أنْ يَسْعى، وقالَ الكَعْبِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ حُجَّةٌ عَلى مَن زَعَمَ أنَّ القُرْآنَ وبالٌ عَلى الكافِرِينَ، وأنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِإنْزالِهِ أنْ يُؤْمِنُوا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (لِيَذَّكَّرُوا) عامٌّ في الكُلِّ، وقَوْلُهُ: ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ هَذا الأكْثَرُ داخِلًا في ذَلِكَ العامِّ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: أنْزَلْناهُ عَلى قُرَيْشٍ لِيُؤْمِنُوا، فَأبى أكْثَرُ بَنِي تَمِيمٍ إلّا كُفُورًا. واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ عَلَيْهِ قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا.