Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 25:49
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أجابَ مالِكٌ عَنِ الوجه الأوَّلِ، فَقالَ: لا نِزاعَ في أنَّهُ يَحْرُمُ اسْتِعْمالُ النَّجاسَةِ، ولَكِنَّ الجُزْءَ القَلِيلَ مِنَ النَّجاسَةِ المائِعَةِ إذا وقَعَ في الماءِ لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ لَوْنُهُ ولا طَعْمُهُ ولا رائِحَتُهُ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ تِلْكَ النَّجاسَةَ بَقِيَتْ، ولِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّها انْقَلَبَتْ عَنْ صِفَتِها ؟ وتَقْرِيرُهُ ما قَدَّمْناهُ. وأمّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لا يَبُولَنَّ أحَدُكم في الماءِ الدّائِمِ» فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ هَذا النَّهْيَ لَيْسَ إلّا لِما ذَكَرْتُمُوهُ، بَلْ لَعَلَّ النَّهْيَ إنَّما كانَ لِأنَّهُ رُبَّما شَرِبَهُ إنْسانٌ، وذَلِكَ مِمّا يَنْفِرُ طَبْعُهُ عَنْهُ، ولَيْسَ الكَلامُ في نَفْرَةِ الطَّبْعِ. وأمّا قَوْلُهُ: «إذا اسْتَيْقَظَ أحَدُكم مِن مَنامِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ ثَلاثًا» فَقَدْ أجْمَعْنا عَلى أنَّ هَذا الأمْرَ اسْتِحْبابٌ، فالمُرَتَّبُ عَلَيْهِ كَيْفَ يَكُونُ أمْرَ إيجابٍ، ثُمَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ أمْرَ إيجابٍ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّهُ لَمْ يُوَجِّهْ ذَلِكَ الإيجابَ إلّا لِما ذَكَرْتُمُوهُ ؟ وأمّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إذا بَلَغَ الماءُ قُلَّتَيْنِ» فَقَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلَيْهِ، ثُمَّ بَعْدَ النُّزُولِ عَنْ كُلِّ ما قُلْناهُ فَهو تَمَسُّكٌ بِالمَفْهُومِ والنُّصُوصِ الَّتِي ذَكَرْناها مَنطُوقَةً، والمَنطُوقُ راجِحٌ عَلى المَفْهُومِ، واللَّهُ أعْلَمُ.