Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 25:45-46
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الأوَّلُ: أنَّ الظِّلَّ هو الأمْرُ المُتَوَسِّطُ بَيْنَ الضَّوْءِ الخالِصِ وبَيْنَ الظُّلْمَةِ الخالِصَةِ، وهو ما بَيْنَ ظُهُورِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ، وكَذا الكَيْفِيّاتُ الحاصِلَةُ داخِلَ السَّقْفِ وأفْنِيَةِ الجُدْرانِ، وهَذِهِ الحالَةُ أطْيَبُ الأحْوالِ؛ لِأنَّ الظُّلْمَةَ الخالِصَةَ يَكْرَهُها الطَّبْعُ ويَنْفِرُ عَنْها الحِسُّ، وأمّا الضَّوْءُ الخالِصُ، وهو الكَيْفِيَّةُ الفائِضَةُ مِنَ الشَّمْسِ، فَهي لِقُوَّتِها تَبْهَرُ الحِسَّ البَصَرِيَّ، وتُفِيدُ السُّخُونَةَ القَوِيَّةَ، وهي مُؤْذِيَةٌ، فَإذَنْ أطْيَبُ الأحْوالِ هو الظِّلُّ، ولِذَلِكَ وصَفَ الجَنَّةَ بِهِ فَقالَ: ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقِعَةِ: ٣٠] وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ أنَّهُ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ والمَنافِعِ الجَلِيلَةِ، ثُمَّ إنَّ النّاظِرَ إلى الجِسْمِ المُلَوَّنِ وقْتَ الظِّلِّ كَأنَّهُ لا يُشاهِدُ شَيْئًا سِوى الجِسْمِ وسِوى اللَّوْنِ، ونَقُولُ: الظِّلُّ لَيْسَ أمْرًا ثالِثًا، ولا يُعْرَفُ بِهِ إلّا إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ ووَقَعَ ضَوْءُها عَلى الجِسْمِ زالَ ذَلِكَ الظِّلُّ، فَلَوْلا الشَّمْسُ ووُقُوعُ ضَوْئِها عَلى الأجْرامِ لَما عُرِفَ أنَّ لِلظِّلِّ وُجُودًا وماهِيَّةً؛ لِأنَّ الأشْياءَ إنَّما تُعْرَفُ بِأضْدادِها، فَلَوْلا الشَّمْسُ لَما عُرِفَ الظِّلُّ، ولَوْلا الظُّلْمَةُ لَما عُرِفَ النُّورُ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا طَلَعَ الشَّمْسُ عَلى الأرْضِ وزالَ الظِّلُّ، فَحِينَئِذٍ ظَهَرَ لِلْعُقُولِ أنَّ الظِّلَّ كَيْفِيَّةٌ زائِدَةٌ عَلى الجِسْمِ واللَّوْنِ، فَلِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ أيْ خَلَقْنا الظِّلَّ أوَّلًا بِما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ واللَّذّاتِ، ثُمَّ إنّا هَدَيْنا العُقُولَ إلى مَعْرِفَةِ وجُودِهِ بِأنْ أطْلَعْنا الشَّمْسَ، فَكانَتِ الشَّمْسُ دَلِيلًا عَلى وُجُودِ هَذِهِ النِّعْمَةِ، ثُمَّ قَبَضْناهُ؛ أيْ: أزَلْنا الظِّلَّ لا دَفْعَةً بَلْ يَسِيرًا يَسِيرًا، فَإنَّ كُلَّما ازْدادَ ارْتِفاعُ الشَّمْسِ ازْدادَ نُقْصانُ الظِّلِّ في جانِبِ المَغْرِبِ، ولَمّا كانَتِ الحَرَكاتُ المَكانِيَّةُ لا تُوجَدُ دَفْعَةً، بَلْ يَسِيرًا يَسِيرًا، فَكَذا زَوالُ الإظْلالِ لا يَكُونُ دَفْعَةً، بَلْ يَسِيرًا يَسِيرًا، ولِأنَّ قَبْضَ الظِّلِّ لَوْ حَصَلَ دَفْعَةً لاخْتَلَّتِ المَصالِحُ، ولَكِنَّ قَبْضَها يَسِيرًا يَسِيرًا يُفِيدُ مَعَهُ أنْواعَ مَصالِحِ العالَمِ، والمُرادُ بِالقَبْضِ الإزالَةُ والإعْدامُ، هَذا أحَدُ التَّأْوِيلَيْنِ.