Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 25:23-24
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ فالمُرادُ أبْطَلْناهُ وجَعَلْناهُ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ الِانْتِفاعُ بِهِ كالهَباءِ المَنثُورِ الَّذِي لا يُمْكِنُ القَبْضُ عَلَيْهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النُّورِ: ٣٩] ﴿كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ [إبْراهِيمَ: ١٨] ﴿كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفِيلِ: ٥] قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ: الهَباءُ مِثْلُ الغُبارِ يَدْخُلُ مِنَ الكُوَّةِ مَعَ ضَوْءِ الشَّمْسِ. وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّهُ الغُبارُ الَّذِي يَسْتَطِيرُ مِن حَوافِرِ الدَّوابِّ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ حالَ الكُفّارِ في الخَسارِ الكُلِّيِّ والخَيْبَةِ التّامَّةِ شَرَحَ وصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الحَظَّ كُلَّ الحَظِّ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وهَهُنا سُؤالاتٌ:
الأوَّلُ: كَيْفَ يَكُونُ أصْحابُ الجَنَّةِ خَيْرًا مُسْتَقِرًّا مِن أهْلِ النّارِ، ولا خَيْرَ في النّارِ، ولا يُقالُ في العَسَلِ: هو أحْلى مِنَ الخَلِّ ؟ والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ﴾ [الفُرْقانِ: ١٥] .
والثّانِي: يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ أنَّهم في غايَةِ الخَيْرِ؛ لِأنَّ مُسْتَقَرَّ الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ النّارِ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بَنى لَنا بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ