Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 25:3
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وقالَ بَعْضُ أصْحابِنا في الخَلْقِ: إنَّهُ الإحْداثُ لا بِعِلاجٍ وفِكْرٍ وتَعَبٍ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا لِلَّهِ تَعالى، ثم قال: وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ [ الأعْرافِ: ١٩٥] في وصْفِ الأصْنامِ، أفَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّ كُلَّ مَن لَهُ رِجْلٌ يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ ؟ فَإذا قالُوا: لا، قِيلَ: فَكَذَلِكَ ما ذَكَرْتُمْ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١٤] هَذا كُلُّهُ كَلامُ الكَعْبِيِّ.
والجَوابُ: قَوْلُهُ: لا يُطْلَقُ اسْمُ الخالِقِ عَلى العَبْدِ، قُلْنا: بَلْ يَجِبُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الخَلْقَ في اللُّغَةِ هو التَّقْدِيرُ، والتَّقْدِيرُ يَرْجِعُ إلى الظَّنِّ والحُسْبانِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ اسْمُ الخالِقِ حَقِيقَةً في العَبْدِ، مَجازًا في اللَّهِ تَعالى، فَكَيْفَ يُمْكِنُكم مَنعُ إطْلاقِ لَفْظِ الخالِقِ عَلى العَبْدِ ؟ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ فالعَيْبُ إنَّما وقَعَ عَلَيْهِمْ بِالعَجْزِ، فَلا جَرَمَ أنَّ كُلَّ مَن تَحَقَّقَ العَجْزُ في حَقِّهِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ لَمْ يَحْسُنْ عِبادَتُهُ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ فَقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لا يَقْوى اسْتِدْلالُ أصْحابِنا بِها لِاحْتِمالِ أنَّ العَيْبَ لا يَحْصُلُ إلّا بِمَجْمُوعِ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهم لَيْسُوا بِخالِقِينَ.
والثّانِي: أنَّهم مَخْلُوقُونَ.
والعَبْدُ وإنْ كانَ خالِقًا إلّا أنَّهُ مَخْلُوقٌ، فَلَزِمَ أنْ لا يَكُونَ إلَهًا مَعْبُودًا.