Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 24:63
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكم لِواذًا﴾ فالمَعْنى يَتَسَلَّلُونَ قَلِيلًا قَلِيلًا، ونَظِيرُ تَسَلَّلَ تَدَرَّجَ وتَدَخَّلَ، واللِّواذُ: المُلاوَذَةُ وهي أنْ يَلُوذَ هَذا بِذاكَ وذاكَ بِهَذا، يَعْنِي يَتَسَلَّلُونَ عَنِ الجَماعَةِ عَلى سَبِيلِ الخُفْيَةِ واسْتِتارِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، ولِواذًا حالٌ أيْ مُلاوِذِينَ، وقِيلَ: كانَ بَعْضُهم يَلُوذُ بِالرَّجُلِ إذا اسْتَأْذَنَ فَيُؤْذَنُ لَهُ فَيَنْطَلِقُ الَّذِي لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ مَعَهُ، وقُرِئَ ”لَواذًا“ بِالفَتْحِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: قالَ مُقاتِلٌ: كانَ المُنافِقُونَ تُثْقِلُ عَلَيْهِمْ خُطْبَةُ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَيَلُوذُونَ بِبَعْضِ أصْحابِهِ، ويَخْرُجُونَ مِن غَيْرِ اسْتِئْذانٍ.
وثانِيها: قالَ مُجاهِدٌ: يَتَسَلَّلُونَ مِنَ الصَّفِّ في القِتالِ.
وثالِثُها: قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هَذا كانَ في حَفْرِ الخَنْدَقِ.
ورابِعُها: يَتَسَلَّلُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَنْ كِتابِهِ وعَنْ ذِكْرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ﴾ مَعْناهُ التَّهْدِيدُ بِالمُجازاةِ.
* * *
صفحة ٣٦
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَ الأخْفَشُ: ”عَنْ“ صِلَةٌ والمَعْنى يُخالِفُونَ أمْرَهُ، وقالَ غَيْرُهُ: مَعْناهُ يُعْرِضُونَ عَنْ أمْرِهِ ويَمِيلُونَ عَنْ سُنَّتِهِ، فَدَخَلَتْ ”عَنْ“ لِتَضْمِينِ المُخالَفَةِ مَعْنى الإعْراضِ.