Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 24:35
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
* * *
الفَصْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنَّ لِلَّهِ سَبْعِينَ حِجابًا مِن نُورٍ وظُلْمَةٍ لَوْ كَشَفَها لَأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ كُلَّ ما أدْرَكَ بَصَرُهُ» “ وفي بَعْضِ الرِّواياتِ سَبْعُمِائَةٍ وفي بَعْضِها سَبْعُونَ ألْفًا.
فَأقُولُ: لَمّا ثَبَتَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى مُتَجَلٍّ في ذاتِهِ لِذاتِهِ كانَ الحِجابُ بِالإضافَةِ إلى المَحْجُوبِ لا مَحالَةَ والمَحْجُوبُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَحْجُوبًا، إمّا بِحِجابٍ مُرَكَّبٍ مِن نُورٍ وظُلْمَةٍ، وإمّا بِحِجابٍ مُرَكَّبٍ مِن نُورٍ فَقَطْ، أوْ بِحِجابٍ مُرَكَّبٍ مِن ظُلْمَةٍ فَقَطْ، أمّا المَحْجُوبُونَ بِالظُّلْمَةِ المَحْضَةِ فَهُمُ الَّذِينَ بَلَغُوا في الِاشْتِغالِ بِالعَلائِقِ البَدَنِيَّةِ إلى حَيْثُ لَمْ يَلْتَفِتْ خاطِرُهم إلى أنَّهُ هَلْ يُمْكِنُ الِاسْتِدْلالُ بِوُجُودِ هَذِهِ المَحْسُوساتِ عَلى وُجُودِ واجِبِ الوُجُودِ أمْ لا؛ وذَلِكَ لِأنَّكَ قَدْ عَرَفْتَ أنَّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى مِن حَيْثُ هو هو مُظْلِمٌ، وإنَّما كانَ مُسْتَنِيرًا مِن حَيْثُ اسْتَفادَ النُّورَ مِن حَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى، فَمَنِ اشْتَغَلَ بِالجُسْمانِيّاتِ مِن حَيْثُ هي هي وصارَ ذَلِكَ الِاشْتِغالُ حائِلًا لَهُ عَنِ الِالتِفاتِ إلى جانِبِ النُّورِ كانَ حِجابُهُ مَحْضَ الظُّلْمَةِ، ولَمّا كانَتْ أنْواعُ الِاشْتِغالِ بِالعَلائِقِ البَدَنِيَّةِ خارِجَةً عَنِ الحَدِّ والحَصْرِ فَكَذا أنْواعُ الحُجُبِ الظُّلْمانِيَّةِ خارِجَةٌ عَنِ الحَدِّ والحَصْرِ.