Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 24:35
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
لا جَرَمَ كانَ نُورُ المُفِيدِ أشَدَّ إشْراقًا مِن نُورِ المُسْتَفِيدِ، ثُمَّ تِلْكَ الأنْوارُ لا تَزالُ تَكُونُ مُتَرَقِّيَةً حَتّى تَنْتَهِيَ إلى النُّورِ الأعْظَمِ والرُّوحِ الَّذِي هو أعْظَمُ الأرْواحِ مَنزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ الَّذِي هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النَّبَأِ: ٣٨] ثُمَّ نَقُولُ لا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الأنْوارَ الحِسِّيَّةَ إنْ كانَتْ سُفْلِيَّةً كانَتْ كَأنْوارِ النِّيرانِ أوْ عُلْوِيَّةً كانَتْ كَأنْوارِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ، وكَذا الأنْوارُ العَقْلِيَّةُ سُفْلِيَّةً كانَتْ كالأرْواحِ السُّفْلِيَّةِ الَّتِي لِلْأنْبِياءِ والأوْلِياءِ، أوْ عُلْوِيَّةً كالأرْواحِ العُلْوِيَّةِ الَّتِي هي المَلائِكَةُ، فَإنَّها بِأسْرِها مُمْكِنَةٌ لِذَواتِها، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ يَسْتَحِقُّ العَدَمَ مِن ذاتِهِ والوُجُودَ مِن غَيْرِهِ، والعَدَمُ هو الظُّلْمَةُ الحاصِلَةُ والوُجُودُ هو النُّورُ، فَكُلُّ ما سِوى اللَّهِ مُظْلِمٌ لِذاتِهِ مُسْتَنِيرٌ بِإمْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وكَذا جَمِيعُ مَعارِفِها بَعْدَ وُجُودِها حاصِلٌ مِن وُجُودِ اللَّهِ تَعالى، فالحَقُّ سُبْحانَهُ هو الَّذِي أظْهَرَها بِالوُجُودِ بَعْدَ أنْ كانَتْ في ظُلُماتِ العَدَمِ، وأفاضَ عَلَيْها أنْوارَ المَعارِفِ بَعْدَ أنْ كانَتْ في ظُلُماتِ الجَهالَةِ، فَلا ظُهُورَ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا بِإظْهارِهِ، وخاصَّةُ النُّورِ إعْطاءُ الإظْهارِ والتَّجَلِّي والِانْكِشافِ، وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ أنَّ النُّورَ المُطْلَقَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وأنَّ إطْلاقَ النُّورِ عَلى غَيْرِهِ مَجازٌ، إذْ كُلُّ ما سِوى اللَّهِ، فَإنَّهُ مِن حَيْثُ هو هو ظُلْمَةٌ لِأنَّهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ هو عَدَمٌ مَحْضٌ، بَلِ الأنْوارُ إذا نَظَرْنا إلَيْها مِن حَيْثُ هي هي فَهي ظُلُماتٌ، لِأنَّها مِن حَيْثُ هي هي مُمْكِناتٌ، والمُمْكِنُ مِن حَيْثُ هو هو مَعْدُومٌ، والمَعْدُومُ مُظْلِمٌ. فالنُّورُ إذا نُظِرَ إلَيْهِ مِن حَيْثُ هو هو ظُلْمَةٌ، فَأمّا إذا التُفِتَ إلَيْها مِن حَيْثُ أنَّ الحَقَّ سُبْحانَهُ أفاضَ عَلَيْها نُورَ الوُجُودِ فَبِهَذا الِاعْتِبارِ صارَتْ أنْوارًا. فَثَبَتَ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو النُّورُ، وأنَّ كُلَّ ما سِواهُ فَلَيْسَ بِنُورٍ إلّا عَلى سَبِيلِ المَجازِ. ثُمَّ إنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَكَلَّمَ بَعْدَ هَذا في أمْرَيْنِ: