Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 24:35
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والثّانِي: ما يَكُونُ مُكْتَسَبًا وهي التَّعَقُّلاتُ النَّظَرِيَّةُ. أمّا الفِطْرِيَّةُ فَلَيْسَتْ هي مِن لَوازِمِ جَوْهَرِ الإنْسانِ لِأنَّهُ حالَ الطُّفُولِيَّةِ لَمْ يَكُنْ عالِمًا البَتَّةَ، فَهَذِهِ الأنْوارُ الفِطْرِيَّةُ إنَّما حَصَلَتْ بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ فَلا بُدَّ لَها مِن سَبَبٍ، وأمّا النَّظَرِيّاتُ فَمَعْلُومٌ أنَّ الفِطْرَةَ الإنْسانِيَّةَ قَدْ يَعْتَرِيها الزَّيْغُ في الأكْثَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ مِن هادٍ مُرْشِدٍ ولا مُرْشِدَ فَوْقَ كَلامِ اللَّهِ تَعالى وفَوْقَ إرْشادِ الأنْبِياءِ، فَتَكُونُ مَنزِلَةُ آياتِ القُرْآنِ عِنْدَ عَيْنِ العَقْلِ بِمَنزِلَةِ نُورِ الشَّمْسِ عِنْدَ العَيْنِ الباصِرَةِ إذْ بِهِ يَتِمُّ الإبْصارُ، فَبِالحَرِيِّ أنْ يُسَمّى القُرْآنُ نُورًا كَما يُسَمّى نُورُ الشَّمْسِ نُورًا، فَنُورُ القُرْآنِ يُشْبِهُ نُورَ الشَّمْسِ، ونُورُ العَقْلِ يُشْبِهُ نُورَ العَيْنِ، وبِهَذا يَظْهَرُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا﴾ [التَّغابُنِ: ٨] وقَوْلِهِ: ﴿قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [النِّساءِ: ١٧٤] ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ [النِّساءِ: ١٧٤] وإذا ثَبَتَ أنَّ بَيانَ الرَّسُولِ أقْوى مِن نُورِ الشَّمْسِ وجَبَ أنْ تَكُونَ نَفْسُهُ القُدْسِيَّةُ أعْظَمَ في النُّورانِيَّةِ مِنَ الشَّمْسِ، وكَما أنَّ الشَّمْسَ في عالَمِ الأجْسامِ تُفِيدُ النُّورَ لِغَيْرِهِ ولا تَسْتَفِيدُهُ مِن غَيْرِهِ فَكَذا نَفْسُ النَّبِيِّ ﷺ تُفِيدُ الأنْوارَ العَقْلِيَّةَ لِسائِرِ الأنْفُسِ البَشَرِيَّةِ، ولا تَسْتَفِيدُ الأنْوارَ العَقْلِيَّةَ مِن شَيْءٍ مِنَ الأنْفُسِ البَشَرِيَّةِ، فَلِذَلِكَ وصَفَ اللَّهُ تَعالى الشَّمْسَ بِأنَّها سِراجٌ حَيْثُ قالَ: ﴿وجَعَلَ فِيها سِراجًا وقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ٦١] ووَصَفَ مُحَمَّدًا ﷺ بِأنَّهُ سِراجٌ مُنِيرٌ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: ثَبَتَ بِالشَّواهِدِ العَقْلِيَّةِ والنَّقْلِيَّةِ أنَّ الأنْوارَ الحاصِلَةَ في أرْواحِ الأنْبِياءِ مُقْتَبَسَةٌ مِنَ الأنْوارِ الحاصِلَةِ في أرْواحِ المَلائِكَةِ، قالَ تَعالى: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [النَّحْلِ: ٢] وقالَ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٩٣ - ١٩٤] والوَحْيُ لا يَكُونُ إلّا بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ، فَإذا جَعَلْنا أرْواحَ الأنْبِياءِ أعْظَمَ اسْتِنارَةً مِنَ الشَّمْسِ، فَأرْواحُ المَلائِكَةِ الَّتِي هي كالمَعادِنِ لِأنْوارِ عُقُولِ الأنْبِياءِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ أعْظَمَ مِن أنْوارِ أرْواحِ الأنْبِياءِ، لِأنَّ السَّبَبَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ أقْوى مِنَ المُسَبَّبِ. ثُمَّ نَقُولُ: ثَبَتَ أيْضًا بِالشَّواهِدِ العَقْلِيَّةِ والنَّقْلِيَّةِ أنَّ الأرْواحَ السَّماوِيَّةَ مُخْتَلِفَةٌ فَبَعْضُها مُسْتَفِيدَةٌ وبَعْضُها مُفِيدَةٌ، قالَ تَعالى في وصْفِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٢١] وإذا كانَ هو مُطاعُ المَلائِكَةِ فالمُطِيعُونَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونُوا تَحْتَ أمْرِهِ، وقالَ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصّافّاتِ: ١٦٤] وإذا ثَبَتَ هَذا فالمُفِيدُ أوْلى بِأنْ