Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 24:15
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثانِيها: أنَّهم كانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِما لا عِلْمَ لَهم بِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الإخْبارُ إلّا مَعَ العِلْمِ فَأمّا الَّذِي لا يُعْلَمُ صِدْقُهُ فالإخْبارُ عَنْهُ كالإخْبارِ عَمّا عُلِمَ كَذِبُهُ في الحُرْمَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] فَإنْ قِيلَ ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بِأفْواهِكُمْ﴾ والقَوْلُ لا يَكُونُ إلّا بِالفَمِ ؟ قُلْنا مَعْناهُ أنَّ الشَّيْءَ المَعْلُومَ يَكُونُ عِلْمُهُ في القَلْبِ فَيُتَرْجَمُ عَنْهُ بِاللِّسانِ وهَذا الإفْكُ لَيْسَ إلّا قَوْلًا يَجْرِي عَلى ألْسِنَتِكم مِن غَيْرِ أنْ يَحْصُلَ في القَلْبِ عِلْمٌ بِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧] . وثالِثُها: أنَّهم كانُوا يَسْتَصْغِرُونَ ذَلِكَ وهو عَظِيمٌ مِنَ العَظائِمِ، ويَدُلُّ عَلى أُمُورٍ ثَلاثَةٍ:
الأوَّلُ: يَدُلُّ عَلى أنَّ القَذْفَ مِنَ الكَبائِرِ لِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾
الثّانِي: نَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾ عَلى أنَّ عِظَمَ المَعْصِيَةِ لا يَخْتَلِفُ بِظَنِّ فاعِلِها وحُسْبانِهِ، بَلْ رُبَّما كانَ ذَلِكَ مُؤَكِّدًا لِعِظَمِها مِن حَيْثُ جَهْلِ كَوْنِها عَظِيمًا.
الثّالِثُ: الواجِبُ عَلى المُكَلَّفِ في كُلِّ مُحَرَّمٍ أنْ يَسْتَعْظِمَ الإقْدامَ عَلَيْهِ، إذْ لا يَأْمَنُ أنَّهُ مِنَ الكَبائِرِ، وقِيلَ لا صَغِيرَةَ مَعَ الإصْرارِ ولا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفارِ.