Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 24:2
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ فَهو مِن بابِ التَّهْيِيجِ والتِهابِ الغَضَبِ لِلَّهِ تَعالى ولِدِينِهِ. قالَ الجُبّائِيُّ تَقْدِيرُ الآيَةِ: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَلا تَتْرُكُوا إقامَةَ الحُدُودِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاشْتِغالَ بِأداءِ الواجِباتِ مِنَ الإيمانِ بِخِلافِ ما تَقُولُهُ المُرْجِئَةُ، والجَوابُ: أنَّ الرَّأْفَةَ لا تَحْصُلُ إلّا إذا حَكَمَ الإنْسانُ بِطَبْعِهِ أنَّ الأوْلى أنْ لا تُقامَ تِلْكَ الحُدُودُ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ مُنْكِرًا لِلدِّينِ فَيَخْرُجُ عَنِ الإيمانِ في الحَدِيثِ ”«يُؤْتى بِوالٍ نَقَصَ مِنَ الحَدِّ سَوْطًا، فَيُقالُ لَهُ لِمَ فَعَلْتَ ذاكَ ؟ فَيَقُولُ رَحْمَةً لِعِبادِكَ، فَيُقالُ لَهُ أنْتَ أرْحَمُ بِهِمْ مِنِّي ! فَيُؤْمَرُ بِهِ إلى النّارِ، ويُؤْتى بِمَن زادَ سَوْطًا فَيُقالُ لَهُ لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ ؟ فَيَقُولُ لِيَنْتَهُوا عَنْ مَعاصِيكَ، فَيَقُولُ أنْتَ أحْكَمُ بِهِ مِنِّي! فَيُؤْمَرُ بِهِ إلى النّارِ» “ .
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ﴾ أمْرٌ وظاهِرُهُ لِلْوُجُوبِ، لَكِنَّ الفُقَهاءَ قالُوا يُسْتَحَبُّ حُضُورُ الجَمْعِ والمَقْصُودُ إعْلانُ إقامَةِ الحَدِّ، لِما فِيهِ مِن مَزِيدِ الرَّدْعِ، ولِما فِيهِ مِن رَفْعِ التُّهْمَةِ عَمَّنْ يَجْلِدُ، وقِيلَ أرادَ بِالطّائِفَةِ الشُّهُودَ لِأنَّهُ يَجِبُ حُضُورُهم لِيُعْلَمَ بَقاؤُهم عَلى الشَّهادَةِ.