Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 24:1
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثالِثُها: مَعْنى ”أنْزَلْناها“ أيْ: أعْطَيْناها الرَّسُولَ، كَما يَقُولُ العَبْدُ إذا كَلَّمَ سَيِّدَهُ: رَفَعْتُ إلَيْهِ حاجَتِي، كَذَلِكَ يَكُونُ مِنَ السَّيِّدِ إلى العَبْدِ الإنْزالُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطِرٍ: ١٠].
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وفَرَضْناها﴾ فالمَشْهُورُ قِراءَةُ التَّخْفِيفِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِالتَّشْدِيدِ.
أمّا قِراءَةُ التَّخْفِيفِ فالفَرْضُ هو القَطْعُ والتَّقْدِيرُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣٧] أيْ: قَدَّرْتُمْ ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ [القَصَصِ: ٨٥] أيْ: قَدَّرَ، ثُمَّ إنَّ السُّورَةَ لا يُمْكِنُ فَرْضُها؛ لِأنَّها قَدْ دَخَلَتْ في الوُجُودِ، وتَحْصِيلُ الحاصِلِ مُحالٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ وفَرَضْنا ما بُيِّنَ فِيها، وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّ أكْثَرَ ما في هَذِهِ السُّورَةِ مِن بابِ الأحْكامِ والحُدُودِ، فَلِذَلِكَ عَقَّبَها بِهَذا الكَلامِ، وأمّا قِراءَةُ التَّشْدِيدِ فَقالَ الفَرّاءُ: التَّشْدِيدُ لِلْمُبالَغَةِ والتَّكْثِيرِ، أمّا المُبالَغَةُ فَمِن حَيْثُ إنَّها حُدُودٌ وأحْكامٌ فَلا بُدَّ مِنَ المُبالَغَةِ في إيجابِها لِيَحْصُلَ الِانْقِيادُ لِقَبُولِها، وأمّا التَّكْثِيرُ فَلِوَجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ فِيها أحْكامًا مُخْتَلِفَةً.
والثّانِي: أنَّهُ سُبْحانَهُ
صفحة ١١٤