Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 23:106-111
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ أنَّ طَلَبَنا اللَّذّاتِ المُحَرَّمَةَ وحِرْصَنا عَلى العَمَلِ القَبِيحِ ساقَنا إلى هَذِهِ الشَّقاوَةِ، فَأُطْلِقَ اسْمُ المُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ، ولَيْسَ هَذا بِاعْتِذارٍ مِنهم لِعِلْمِهِمْ بِأنْ لا عُذْرَ لَهم فِيهِ، ولَكِنَّهُ اعْتِرافٌ بِقِيامِ حُجَّةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ في سُوءِ صَنِيعِهِمْ. قُلْنا: إنَّكَ حَمَلْتَ الشَّقاوَةَ عَلى طَلَبِ تِلْكَ اللَّذّاتِ المُحَرَّمَةِ، وطَلَبُ تِلْكَ اللَّذّاتِ حَصَلَ بِاخْتِيارِهِمْ أوْ لا بِاخْتِيارِهِمْ، فَإنْ حَصَلَ بِاخْتِيارِهِمْ فَذَلِكَ الِاخْتِيارُ مُحْدَثٌ، فَإنِ اسْتَغْنى عَنِ المُؤَثِّرِ فَلِمَ لا يَجُوزُ في كُلِّ الحَوادِثِ ذَلِكَ، وحِينَئِذٍ يَنْسَدُّ عَلَيْكَ بابُ إثْباتِ الصّانِعِ، وإنِ افْتَقَرَ إلى مُحْدِثٍ، فَمُحْدِثُهُ إمّا العَبْدُ أوِ اللَّهُ تَعالى؛ فَإنْ كانَ هو العَبْدَ فَذَلِكَ باطِلٌ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ قُدْرَةَ العَبْدِ صالِحَةٌ لِلْفِعْلِ والتَّرْكِ، فَإنْ تَوَقَّفَ صُدُورُ تِلْكَ الإرادَةِ عَنْها إلى مُرَجِّحٍ آخَرَ، عادَ الكَلامُ فِيهِ ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وإنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلى المُرَجِّحِ فَقَدْ جَوَّزْتَ رُجْحانَ أحَدِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ عَلى الآخَرِ لا لِمُرَجِّحٍ، وذَلِكَ يَسُدُّ بابَ إثْباتِ الصّانِعِ.
وثانِيها: أنَّ العَبْدَ لا يَعْلَمُ كَمِّيَّةَ تِلْكَ الأفْعالِ ولا كَيْفِيَّتَها، والجاهِلُ بِالشَّيْءِ لا يَكُونُ مُحْدِثًا لَهُ، وإلّا لَبَطَلَتْ دَلالَةُ الإحْكامِ والإتْقانِ عَلى العِلْمِ.