Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 23:91-96
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا قَوْلُهُ: ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ فَقُرِئَ بِالجَرِّ صِفَةً لِلَّهِ، وبِالرَّفْعِ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ هو المُخْتَصُّ بِعِلْمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، فَغَيْرُهُ وإنْ عَلِمَ الشَّهادَةَ فَلَنْ يَعْلَمَ مَعَها الغَيْبَ، والشَّهادَةُ الَّتِي يَعْلَمُها لا يَتَكامَلُ بِها النَّفْعُ إلّا مَعَ العِلْمِ بِالغَيْبِ، وذَلِكَ كالوَعِيدِ لَهُمْ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالِانْقِطاعِ إلَيْهِ وأنْ يَدْعُوَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ما والنُّونُ مُؤَكِّدَتانِ، أيْ: إنْ كانَ ولا بُدَّ مِن أنْ تُرِيَنِّي ما تَعِدُهم مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ، فَلا تَجْعَلْنِي قَرِينًا لَهم ولا تُعَذِّبْنِي بِعَذابِهِمْ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ نَبِيَّهُ المَعْصُومَ مَعَ الظّالِمِينَ حَتّى يَطْلُبَ أنْ لا يَجْعَلَهُ مَعَهُمْ؟ قُلْنا: يَجُوزُ أنْ يَسْألَ العَبْدُ رَبَّهُ ما عَلِمَ أنَّهُ يَفْعَلُهُ، وأنْ يَسْتَعِيذَ بِهِ مِمّا عَلِمَ أنَّهُ لا يَفْعَلُهُ؛ إظْهارًا لِلْعُبُودِيَّةِ وتَواضُعًا لِرَبِّهِ. وما أحْسَنَ قَوْلَ الحَسَنِ في قَوْلِ الصِّدِّيقِ: وُلِّيتُكم ولَسْتُ بِخَيْرِكُمْ، مَعَ أنَّهُ كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ خَيْرُهُمْ، ولَكِنَّ المُؤْمِنَ يَهْضِمُ نَفْسَهُ. وإنَّما ذَكَرَ ”رَبِّ“ مَرَّتَيْنِ؛ مَرَّةً قَبْلَ الشَّرْطِ ومَرَّةً قَبْلَ الجَزاءِ مُبالَغَةً في التَّضَرُّعِ.