Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 23:76-80
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ورابِعُها: أنَّ شِدَّةَ الدُّنْيا أقْرَبُ إلى المُكَلَّفِ مِن شِدَّةِ الآخِرَةِ، فَإذا لَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِمْ شِدَّةُ الدُّنْيا فَشِدَّةُ الآخِرَةِ كَذَلِكَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم لَوْ ﴿رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنْعامِ: ٢٨].
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابَ الجُوعِ الَّذِي هو أشَدُّ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ.
والثّانِي: إذا عُذِّبُوا بِنارِ جَهَنَّمَ فَحِينَئِذٍ يُبْلِسُونَ كَقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ [الرُّومِ: ١٢] ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٥] والإبْلاسُ اليَأْسُ مِن كُلِّ خَيْرٍ، وقِيلَ: السُّكُونُ مَعَ التَّحْسِيرِ. وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما وزْنُ اسْتَكانَ؟ الجَوابُ: اسْتَفْعَلَ، مِنَ الكَوْنِ؛ أيِ: انْتَقَلَ مِن كَوْنٍ إلى كَوْنٍ، كَما قِيلَ: اسْتَحالَ: إذا انْتَقَلَ مِن حالٍ إلى حالٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ افْتَعَلَ، مِنَ السُّكُونِ، أُشْبِعَتْ فَتْحَةُ عَيْنِهِ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ جاءَ ﴿اسْتَكانُوا﴾ بِلَفْظِ الماضِي و﴿يَتَضَرَّعُونَ﴾ بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ؟ الجَوابُ: لِأنَّ المَعْنى امْتَحَنّاهم فَما وجَدْنا مِنهم عَقِيبَ المِحْنَةِ اسْتِكانَةً، وما مِن عادَةِ هَؤُلاءِ أنْ يَتَضَرَّعُوا حَتّى يُفْتَحَ عَلَيْهِمْ بابُ العَذابِ الشَّدِيدِ. وقُرِئَ ”فَتَّحْنا“.