Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 23:66-72
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أحَدُها: أنْ لا يَتَأمَّلُوا في دَلِيلِ ثُبُوتِهِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ [النِّساءِ: ٨٢] فَبَيَّنَ أنَّ القَوْلَ الَّذِي هو القُرْآنُ كانَ مَعْرُوفًا لَهُمْ، وقَدْ مُكِّنُوا مِنَ التَّأمُّلِ فِيهِ مِن حَيْثُ كانَ مُبايِنًا لِكَلامِ العَرَبِ في الفَصاحَةِ، ومُبَرَّأً عَنِ التَّناقُضِ في طُولِ عُمْرِهِ، ومِن حَيْثُ يُنَبِّهُ عَلى ما يَلْزَمُهم مِن مَعْرِفَةِ الصّانِعِ ومَعْرِفَةِ الوَحْدانِيَّةِ، فَلِمَ لا يَتَدَبَّرُونَ فِيهِ لِيَتْرُكُوا الباطِلَ ويَرْجِعُوا إلى الحَقِّ؟
وثانِيها: أنْ يَعْتَقِدُوا أنَّ مَجِيءَ الرُّسُلِ أمْرٌ عَلى خِلافِ العادَةِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم عَرَفُوا بِالتَّواتُرِ أنَّ الرُّسُلَ كانَتْ تَتَواتَرُ عَلى الأُمَمِ وتَظْهَرُ المُعْجِزاتُ عَلَيْها، وكانَتِ الأُمَمُ بَيْنَ مُصَدِّقٍ ناجٍ، وبَيْنَ مُكَذِّبٍ هالِكٍ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، أفَما دَعاهم ذَلِكَ إلى تَصْدِيقِ الرَّسُولِ؟
وثالِثُها: أنْ لا يَكُونُوا عالِمِينَ بِدِيانَتِهِ وحُسْنِ خِصالِهِ قَبْلَ ادِّعائِهِ لِلنُّبُوَّةِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ نَبَّهَ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ عَلى أنَّهم عَرَفُوا مِنهُ قَبْلَ ادِّعائِهِ الرِّسالَةَ كَوْنَهُ في نِهايَةِ الأمانَةِ والصِّدْقِ، وغايَةِ الفِرارِ مِنَ الكَذِبِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ فَكَيْفَ كَذَّبُوهُ بَعْدَ أنِ اتَّفَقَتْ كَلِمَتُهم عَلى تَسْمِيَتِهِ بِالأمِينِ؟