Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 23:50
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
القِصَّةُ الخامِسَةُ - قِصَّةُ عِيسى وقِصَّةُ مَرْيَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ
﴿وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً وآوَيْناهُما إلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً وآوَيْناهُما إلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾
اعْلَمْ أنَّ ابْنَ مَرْيَمَ هو عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى آيَةً بِأنْ خَلَقَهُ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ، وأنْطَقَهُ في المَهْدِ في الصِّغَرِ، وأجْرى عَلى يَدَيْهِ إبْراءَ الأكْمَهِ والأبْرَصِ وإحْياءَ المَوْتى، وأمّا مَرْيَمُ فَقَدْ جَعَلَها اللَّهُ تَعالى آيَةً؛ لِأنَّها حَمَلَتْهُ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ. وقالَ الحَسَنُ: تَكَلَّمَتْ مَرْيَمُ في صِغَرِها كَما تَكَلَّمَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو قَوْلُها: ﴿هُوَ مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٣٧] ولَمْ تُلْقَمْ ثَدْيًا قَطُّ، قالَ القاضِي: إنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَهو مُعْجِزَةٌ لِزَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّها لَمْ تَكُنْ نَبِيَّةً، قُلْنا: القاضِي إنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّ عِنْدَهُ الإرْهاصَ غَيْرُ جائِزٍ وكَراماتِ الأوْلِياءِ غَيْرُ جائِزَةٍ، وعِنْدَنا هُما جائِزانِ فَلا حاجَةَ إلى ما قالَ، والأقْرَبُ أنَّهُ جَعَلَهُما آيَةً بِنَفْسِ الوِلادَةِ؛ لِأنَّهُ وُلِدَ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ، ووَلَدَتْهُ مِن دُونِ ذَكَرٍ فاشْتَرَكا جَمِيعًا في هَذا الأمْرِ العَجِيبِ الخارِقِ لِلْعادَةِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا التَّفْسِيرَ أوْلى وجْهانِ.