Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 23:23-25
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الشُّبْهَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُمْ: ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ وهَذا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما قَبْلَهُ؛ أيْ أنَّهُ مَجْنُونٌ فاصْبِرُوا إلى زَمانٍ حَتّى يَظْهَرَ عاقِبَةُ أمْرِهِ، فَإنْ أفاقَ وإلّا قَتَلْتُمُوهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا وهو أنْ يَقُولُوا لِقَوْمِهِمْ: اصْبِرُوا فَإنَّهُ إنْ كانَ نَبِيًّا حَقًّا فاللَّهُ يَنْصُرُهُ ويُقَوِّي أمْرَهَ، فَنَحْنُ حِينَئِذٍ نَتَّبِعُهُ، وإنْ كانَ كاذِبًا فاللَّهُ يَخْذُلُهُ ويُبْطِلُ أمْرَهُ، فَحِينَئِذٍ نَسْتَرِيحُ مِنهُ، فَهَذِهِ مَجْمُوعُ الشُّبَهِ الَّتِي حَكاها اللَّهُ تَعالى عَنْهم. واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ ما ذَكَرَ الجَوابَ عَنْها لِرَكاكَتِها ووُضُوحِ فَسادِها، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ عاقِلٍ يَعْلَمُ أنَّ الرَّسُولَ لا يَصِيرُ رَسُولًا لِأنَّهُ مِن جِنْسِ المَلَكِ وإنَّما يَصِيرُ كَذَلِكَ بِأنْ يَتَمَيَّزَ مِن غَيْرِهِ بِالمُعْجِزاتِ، فَسَواءٌ كانَ مِن جِنْسِ المَلَكِ أوْ مِن جِنْسِ البَشَرِ فَعِنْدَ ظُهُورِ المُعْجِزِ عَلَيْهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ رَسُولًا، بَلْ جَعْلُ الرَّسُولِ مِن جُمْلَةِ البَشَرِ أوْلى لِما مَرَّ بَيانُهُ في السُّوَرِ المُتَقَدِّمَةِ، وهو أنَّ الجِنْسِيَّةَ مَظِنَّةُ الأُلْفَةِ والمُؤانَسَةِ، وأمّا قَوْلُهُمْ: ﴿يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ فَإنْ أرادُوا بِهِ إرادَتَهُ لِإظْهارِ فَضْلِهِ حَتّى يَلْزَمَهُمُ الِانْقِيادُ لِطاعَتِهِ فَهَذا واجِبٌ عَلى الرَّسُولِ، وإنْ أرادُوا بِهِ أنْ يَرْتَفِعَ عَلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّجَبُّرِ والتَّكَبُّرِ والِانْقِيادِ، فالأنْبِياءُ مُنَزَّهُونَ عَنْ ذَلِكَ، وأمّا قَوْلُهم: ما سَمِعْنا بِهَذا، فَهو اسْتِدْلالٌ بِعَدَمِ التَّقْلِيدِ عَلى عَدَمِ وُجُودِ الشَّيْءِ وهو في غايَةِ السُّقُوطِ؛ لِأنَّ وُجُودَ التَّقْلِيدِ لا يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الشَّيْءِ، فَعَدَمُهُ مِن أيْنَ يَدُلُّ عَلى عَدَمِهِ؟ وأمّا قَوْلُهم: بِهِ جِنَّةٌ، فَقَدْ كَذَبُوا لِأنَّهم كانُوا يَعْلَمُونَ بِالضَّرُورَةِ كَمالَ عَقْلِهِ، وأمّا قَوْلُهُمْ: فَتَرَبَّصُوا بِهِ، فَضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ إنْ ظَهَرَتِ الدَّلالَةُ عَلى نُبُوَّتِهِ وهي المُعْجِزَةُ وجَبَ عَلَيْهِمْ قَبُولُ قَوْلِهِ في الحالِ، ولا يَجُوزُ تَوْقِيفُ ذَلِكَ إلى ظُهُورِ دَوْلَتِهِ؛ لِأنَّ الدَّوْلَةَ لا تَدُلُّ عَلى الحَقِّيَّةِ، وإنْ لَمْ يَظْهَرِ المُعْجِزُ لَمْ يَجُزْ قَبُولُ قَوْلِهِ، سَواءٌ ظَهَرَتِ الدَّوْلَةُ أوْ لَمْ تَظْهَرْ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأجْوِبَةُ في نِهايَةِ الظُّهُورِ لا جَرَمَ تَرَكَها اللَّهُ سُبْحانَهُ.