Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 23:12-16
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَرْتَبَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ (لَمائِتُونَ) والفَرْقُ بَيْنَ المَيِّتِ والمائِتِ، أنَّ المَيِّتَ كالحَيِّ صِفَةٌ ثابِتَةٌ، وأمّا المائِتُ فَيَدُلُّ عَلى الحُدُوثِ، تَقُولُ: زَيْدٌ مَيِّتٌ الآنَ ومائِتٌ غَدًا، وكَقَوْلِكَ: يَمُوتُ، ونَحْوُهُما ضَيِّقٌ وضائِقٌ في قَوْلِهِ: ﴿وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هُودٍ: ١٢].
المَرْتَبَةُ التّاسِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ فاللَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ الإماتَةَ الَّتِي هي إعْدامُ الحَياةِ والبَعْثَ الَّذِي هو إعادَةُ ما يُفْنِيهِ ويُعْدِمُهُ دَلِيلَيْنِ أيْضًا عَلى اقْتِدارٍ عَظِيمٍ بَعْدَ الإنْشاءِ والِاخْتِراعِ.
* * *
وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الحِكْمَةُ في المَوْتِ؟ وهَلّا وصَلَ نَعِيمَ الآخِرَةِ وثَوابَها بِنَعِيمِ الدُّنْيا فَيَكُونَ ذَلِكَ في الإنْعامِ أبْلَغَ؟ والجَوابُ: هَذا كالمَفْسَدَةِ في حَقِّ المُكَلَّفِينَ؛ لِأنَّهُ مَتى عُجِّلَ لِلْمَرْءِ الثَّوابُ فِيما يَتَحَمَّلُهُ مِنَ المَشَقَّةِ في الطّاعاتِ صارَ إتْيانُهُ بِالطّاعاتِ لِأجْلِ تِلْكَ المَنافِعِ لا لِأجْلِ طاعَةِ اللَّهِ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ قِيلَ لِمَن يُصَلِّي ويَصُومُ: إذا فَعَلْتَ ذَلِكَ أدْخَلْناكَ الجَنَّةَ في الحالِ، فَإنَّهُ لا يَأْتِي بِذَلِكَ الفِعْلِ إلّا لِطَلَبِ الجَنَّةِ، فَلا جَرَمَ أخَّرَهُ اللَّهُ تَعالى وبَعَّدَهُ بِالإماتَةِ ثُمَّ الإعادَةِ؛ لِيُكُونَ العَبْدُ عابِدًا لِرَبِّهِ بِطاعَتِهِ لا لِطَلَبِ الِانْتِفاعِ.