Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 23:1-11
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ورابِعُها: أنَّهُ المُباحُ الَّذِي لا حاجَةَ إلَيْهِ، واحْتَجَّ هَذا القائِلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢٥] فَكَيْفَ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى المَعاصِي الَّتِي لا بُدَّ فِيها مِنَ المُؤاخَذَةِ، واحْتَجَّ الأوَّلُونَ بِأنَّ اللَّغْوَ إنَّما سُمِّيَ لَغْوًا بِما أنَّهُ يُلْغى، وكُلُّ ما يَقْتَضِي الدِّينُ إلْغاءَهُ كانَ أوْلى بِاسْمِ اللَّغْوِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ حَرامٍ لَغْوًا، ثُمَّ اللَّغْوُ قَدْ يَكُونُ كُفْرًا لِقَوْلِهِ: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فُصِّلَتْ: ٢٦] وقَدْ يَكُونُ كَذِبًا لِقَوْلِهِ: ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشِيَةِ: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقِعَةِ: ٢٥] ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَدَحَهم بِأنَّهم يُعْرِضُونَ عَنْ هَذا اللَّغْوِ، والإعْراضُ عَنْهُ هو بِأنْ لا يَفْعَلَهُ ولا يَرْضى بِهِ ولا يُخالِطَ مَن يَأْتِيهِ، وعَلى هَذا الوجه قالَ تَعالى: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفُرْقانِ: ٧٢] واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا وصَفَهم بِالخُشُوعِ في الصَّلاةِ أتْبَعَهُ الوَصْفَ بِالإعْراضِ عَنِ اللَّغْوِ، لِيَجْمَعَ لَهُمُ الفِعْلَ والتَّرْكَ الشّاقَّيْنِ عَلى الأنْفُسِ اللَّذَيْنِ هُما قاعِدَتا بِناءِ التَّكْلِيفِ، وهو أعْلَمُ.
* * *