Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 22:73
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ﴾ كَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: أتْرُكُ أمْرَ الخَلْقِ والإيجادِ وأتَكَلَّمُ فِيما هو أسْهَلُ مِنهُ، فَإنَّ الذُّبابَ إنْ سَلَبَ مِنها شَيْئًا، فَهي لا تَقْدِرُ عَلى اسْتِنْقاذِ ذَلِكَ الشَّيْءِ مِنَ الذُّبابِ، واعْلَمْ أنَّ الدَّلالَةَ الأُولى صالِحَةٌ لِأنْ يُتَمَسَّكَ بِها في نَفْيِ كَوْنِ المَسِيحِ والمَلائِكَةِ آلِهَةً، أمّا الثّانِيَةُ فَلا، فَإنْ قِيلَ: هَذا الِاسْتِدْلالُ إمّا أنْ يَكُونَ لِنَفْيِ كَوْنِ الأوْثانِ خالِقَةً عالِمَةً حَيَّةً مُدَبِّرَةً، أوْ لِنَفْيِ كَوْنِها مُسْتَحِقَّةً لِلتَّعْظِيمِ، والأوَّلُ فاسِدٌ؛ لِأنَّ نَفْيَ كَوْنِها كَذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، فَأيُّ فائِدَةٍ في إقامَةِ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ ؟ وأمّا الثّانِي: فَهَذِهِ الدَّلالَةُ لا تُفِيدُهُ؛ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ كَوْنِها حَيَّةً أنْ لا تَكُونَ مُعَظَّمَةً، فَإنَّ جِهاتِ التَّعْظِيمِ مُخْتَلِفَةٌ، فالقَوْمُ كانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيها أنَّها طَلْسَماتٌ مَوْضُوعَةٌ عَلى صُورَةِ الكَواكِبِ، أوْ أنَّها تَماثِيلُ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ، وكانُوا يُعَظِّمُونَها عَلى أنَّ تَعْظِيمَها يُوجِبُ تَعْظِيمَ المَلائِكَةِ وأُولَئِكَ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ. والجَوابُ: أمّا كَوْنُها طَلْسَماتٍ مَوْضُوعَةً عَلى الكَواكِبِ بِحَيْثُ يَحْصُلُ مِنها الإضْرارُ والِانْتِفاعُ، فَهو يَبْطُلُ بِهَذِهِ الدَّلالَةِ، فَإنَّها لَمّا لَمْ تَنْفَعْ نَفْسَها في هَذا القَدْرِ وهو تَخْلِيصُ النَّفْسِ عَنِ الذُّبابَةِ فَلِأنْ لا تَنْفَعَ غَيْرَها أوْلى، وأمّا أنَّها تَماثِيلُ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ، فَقَدْ تَقَرَّرَ في العَقْلِ أنَّ تَعْظِيمَ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ أقَلَّ مِن تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى، والقَوْمُ كانُوا يُعَظِّمُونَها غايَةَ التَّعْظِيمِ، وحِينَئِذٍ كانَ يَلْزَمُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَها وبَيْنَ الخالِقِ سُبْحانَهُ في التَّعْظِيمِ، فَمِن هاهُنا صارُوا مُسْتَوْجِبِينَ لِلذَّمِّ والمَلامِ.