Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 22:52-57
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا الوجه الثّانِي: وهو أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ لَيْسَتْ باطِلَةً فَهاهُنا أيْضًا طُرُقٌ: الأوَّلُ: أنْ يُقالَ: الغَرانِيقُ هُمُ المَلائِكَةُ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ قُرْآنًا مُنَزَّلًا في وصْفِ المَلائِكَةِ. فَلَمّا تَوَهَّمَ المُشْرِكُونَ أنَّهُ يُرِيدُ آلِهَتَهم نَسَخَ اللَّهُ تِلاوَتَهُ. الثّانِي: أنْ يُقالَ: المُرادُ مِنهُ الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أشَفاعَتُهُنَّ تُرْتَجى ؟ الثّالِثُ: أنْ يُقالَ إنَّهُ ذَكَرَ الإثْباتَ وأرادَ النَّفْيَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] أيْ لا تَضِلُّوا كَما قَدْ يَذْكُرُ النَّفْيَ ويُرِيدُ بِهِ الإثْباتَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١] والمَعْنى أنْ تُشْرِكُوا، وهَذانَ الوَجْهانِ الأخِيرانِ يُعْتَرَضُ عَلَيْهِما بِأنَّهُ لَوْ جازَ ذَلِكَ بِناءً عَلى هَذا التَّأْوِيلِ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُظْهِرُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ في جُمْلَةِ القُرْآنِ أوْ في الصَّلاةِ بِناءً عَلى هَذا التَّأْوِيلِ ؟ ولَكِنَّ الأصْلَ في الدِّينِ أنْ لا يَجُوزَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ نَصَبَهم حُجَّةً واصْطَفاهم لِلرِّسالَةِ، فَلا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ ما يَطْعَنُ في ذَلِكَ أوْ يُنَفِّرُ، ومِثْلُ ذَلِكَ في التَّنْفِيرِ أعْظَمُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي حَثَّهُ اللَّهُ تَعالى عَلى تَرْكِها كَنَحْوِ الفَظاظَةِ والكِتابَةِ وقَوْلِ الشِّعْرِ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ”تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا“ قَدْ ظَهَرَ عَلى القَطْعِ كَذِبُها، فَهَذا كُلُّهُ إذا فَسَّرْنا التَّمَنِّيَ بِالتِّلاوَةِ. وأمّا إذا فَسَّرْناها بِالخاطِرِ وتَمَنِّي القَلْبِ فالمَعْنى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَتى تَمَنّى بَعْضَ ما يَتَمَنّاهُ مِنَ الأُمُورِ يُوَسْوِسُ الشَّيْطانُ إلَيْهِ بِالباطِلِ، ويَدْعُوهُ إلى ما لا يَنْبَغِي ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَنْسَخُ ذَلِكَ ويُبْطِلُهُ ويَهْدِيهِ إلى تَرْكِ الِالتِفاتِ إلى وسْوَسَتِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ تِلْكَ الوَسْوَسَةِ عَلى وُجُوهٍ: