Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 22:46
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
السُّؤالُ الثّالِثُ: أيُّ فائِدَةٍ في ذِكْرِ الصُّدُورِ مَعَ أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّ القَلْبَ لا يَكُونُ إلّا في الصَّدْرِ ؟ الجَوابُ: أنَّ المُتَعارَفَ أنَّ العَمى مَكانُهُ الحَدَقَةُ، فَلَمّا أُرِيدَ إثْباتُهُ لِلْقَلْبِ عَلى خِلافِ المُتَعارَفِ احْتِيجَ إلى زِيادَةِ بَيانٍ كَما تَقُولُ: لَيْسَ المَضاءُ لِلسَّيْفِ ولَكِنَّهُ لِلِسانِكَ الَّذِي بَيْنَ فَكَّيْكَ، فَقَوْلُكَ: الَّذِي بَيْنَ فَكَّيْكَ تَقْرِيرٌ لِما ادَّعَيْتَهُ لِلِّسانِ وتَثْبِيتٌ؛ لِأنَّ مَحَلَّ المَضاءِ هو هو لا غَيْرُ، وكَأنَّكَ قُلْتَ: ما نَفَيْتُ المَضاءَ عَنِ السَّيْفِ وأثْبَتُّهُ لِلِسانِكَ سَهْوًا، ولَكِنِّي تَعَمَّدْتُهُ عَلى اليَقِينِ. وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ القَلْبَ قَدْ يُجْعَلُ كِنايَةً عَنِ الخاطِرِ والتَّدَبُّرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] وعِنْدَ قَوْمٍ أنَّ مَحَلَّ التَّفَكُّرِ هو الدِّماغُ فاللَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ هو الصَّدْرُ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: هَلْ تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ العَقْلَ هو العِلْمُ وعَلى أنَّ مَحَلَّ العِلْمِ هو القَلْبُ ؟ الجَوابُ: نَعَمْ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها﴾ العِلْمُ، وقَوْلُهُ: ﴿يَعْقِلُونَ بِها﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّ القَلْبَ آلَةٌ لِهَذا التَّعَقُّلِ، فَوَجَبَ جَعْلُ القَلْبِ مَحَلًّا لِلتَّعَقُّلِ، ويُسَمّى الجَهْلُ بِالعَمى لِأنَّ الجاهِلَ لِكَوْنِهِ مُتَحَيِّرًا يُشْبِهُ الأعْمى.