Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 22:5
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَرْتَبَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ومِنكم مَن يُتَوَفّى ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ والمَعْنى أنَّ مِنكم مَن يُتَوَفّى عَلى قُوَّتِهِ وكَمالِهِ، ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ وهو الهَرَمُ والخَرَفُ، فَيَصِيرُ كَما كانَ في أوَّلِ طُفُولِيَّتِهِ ضَعِيفَ البِنْيَةِ، سَخِيفَ العَقْلِ، قَلِيلَ الفَهْمِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ﴿لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ مَعَ أنَّهُ يَعْلَمُ بَعْضَ الأشْياءِ كالطِّفْلِ ؟ قُلْنا: المُرادُ أنَّهُ يَزُولُ عَقْلُهُ فَيَصِيرُ كَأنَّهُ لا يَعْلَمُ شَيْئًا؛ لِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ قَدْ يُذْكَرُ في النَّفْيِ لِأجْلِ المُبالَغَةِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: هَذِهِ الحالَةُ لا تَحْصُلُ لِلْمُؤْمِنِينَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [ التِّينِ: ٥ - ٦] وهو ضَعِيفٌ. لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ هو دَلالَةٌ عَلى الذَّمِّ، فالمُرادُ بِهِ ما يَجْرِي مَجْرى العُقُوبَةِ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦] فَهَذا تَمامُ الِاسْتِدْلالِ بِحالِ خِلْقَةِ الحَيَوانِ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ. الوجه الثّانِي: الِاسْتِدْلالُ بِحالِ خِلْقَةِ النَّباتِ عَلى ذَلِكَ وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وتَرى الأرْضَ هامِدَةً﴾ وهُمُودُها يُبْسُها وخُلُوُّها عَنِ النَّباتِ والخُضْرَةِ: ﴿فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾ والِاهْتِزازُ الحَرَكَةُ عَلى سُرُورٍ فَلا يَكادُ يُقالُ اهْتَزَّ فُلانٌ لِكَيْتٍ وكَيْتٍ إلّا إذا كانَ الأمْرُ مِنَ المَحاسِنِ والمَنافِعِ، فَقَوْلُهُ: ﴿اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾ أيْ تَحَرَّكَتْ بِالنَّباتِ وانْتَفَخَتْ.