Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 21:105-111
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والجَوابُ: أنْ نَقُولَ: لَمّا عَلِمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ أبا لَهَبٍ لا يُؤْمِنُ البَتَّةَ، وأخْبَرَ عَنْهُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ، كانَ أمْرُهُ إيّاهُ بِالإيمانِ أمْرًا يَقْلِبُ عِلْمَهُ جَهْلًا، وخَبَرَهُ الصِّدْقَ كَذِبًا وذَلِكَ مُحالٌ، فَكانَ قَدْ أمَرَهُ بِالمُحالِ، وإنْ كانَتِ البَعْثَةُ مَعَ هَذا القَوْلِ رَحْمَةً، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: البَعْثَةُ رَحْمَةٌ مَعَ أنَّهُ خَلَقَ الكُفْرَ في الكافِرِ ؟ ولِأنَّ قُدْرَةَ الكافِرِ إنْ لَمْ تَصْلُحْ إلّا لِلْكُفْرِ فَقَطْ فالسُّؤالُ عَلَيْهِمْ لازِمٌ، وإنْ كانَتْ صالِحَةً لِلضِّدَّيْنِ تُوقَفُ لِلتَّرْجِيحِ عَلى مُرَجِّحٍ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ. وحِينَئِذٍ يَعُودُ الإلْزامُ، ثُمَّ نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَحْمَةً لِلْكافِرِ بِمَعْنى تَأْخِيرِ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ عَنْهُ ؟ قَوْلُهُ: أوَّلًا لَمّا كانَ رَحْمَةً لِلْجَمِيعِ عَلى حَدٍّ واحِدٍ، وجَبَ أنْ يَكُونَ رَحْمَةً لِلْكُفّارِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي كانَ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ. قُلْنا: لَيْسَ في الآيَةِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَحْمَةٌ لِلْكُلِّ بِاعْتِبارٍ واحِدٍ أوْ بِاعْتِبارَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَدَعْواكَ بِكَوْنِ الوَجْهِ واحِدًا تَحَكُّمٌ، قَوْلُهُ: نِعَمُ الدُّنْيا كانَتْ حاصِلَةً لِلْكُفّارِ مِن قَبْلُ، قُلْنا: نَعَمْ، ولَكِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِكَوْنِهِ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ لَمّا بُعِثَ حَصَلَ الخَوْفُ لِلْكَفّارِ مِن نُزُولِ العَذابِ، فَلَمّا انْدَفَعَ ذَلِكَ عَنْهم بِسَبَبِ حُضُورِهِ كانَ ذَلِكَ رَحْمَةً في حَقِّ الكُفّارِ.