Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 21:105-111
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ رابِعٌ: وهو أنَّ المُرادَ بِالذِّكْرِ العِلْمُ، أيْ كَتَبْنا ذَلِكَ في الزَّبُورِ بَعْدَ أنْ كُنّا عالِمِينَ عِلْمًا لا يَجُوزُ السَّهْوُ والنِّسْيانُ عَلَيْنا، فَإنَّ مَن كَتَبَ شَيْئًا والتَزَمَهُ، ولَكِنَّهُ يَجُوزُ السَّهْوُ عَلَيْهِ فَإنَّهُ لا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، أمّا مَن لَمْ يَجُزْ عَلَيْهِ السَّهْوُ والخُلْفُ فَإذا التَزَمَ شَيْئًا كانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ واجِبَ الوُقُوعِ.
صفحة ١٩٩
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: الأرْضُ أرْضُ الجَنَّةِ، والعِبادُ الصّالِحُونَ هُمُ المُؤْمِنُونَ العامِلُونَ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، فالمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَ في كُتُبِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أنَّهُ سَيُورِثُ الجَنَّةَ مَن كانَ صالِحًا مِن عِبادِهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - ومُجاهِدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ والسُّدِّيِّ وأبِي العالِيَةِ، وهَؤُلاءِ أكَّدُوا هَذا القَوْلَ بِأُمُورٍ:
أمّا أوَّلًا: فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤] .
وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّها الأرْضُ الَّتِي يَخْتَصُّ بِها الصّالِحُونَ؛ لِأنَّها لَهم خُلِقَتْ، وغَيْرُهم إذا حَصَلَ مَعَهم في الجَنَّةِ فَعَلى وجْهِ التَّبَعِ، فَأمّا أرْضُ الدُّنْيا فَلِأنَّها لِلصّالِحِ وغَيْرِ الصّالِحِ.